أخذت صورة المشهد السياسي في لبنان تزداد قتامة مع بقاء أقل من 48 ساعة على الموعد المقرر لانتخاب رئيس توافقي جديد للجمهورية، وذلك من دون حدوث اختراق فعلي بمواقف أي من الفرقاء الأساسيين.
وبرغم الحراك الدبلوماسي الذي تشهده بيروت في هذه الآونة بزيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ولحاق وزيرة الخارجية الفرنسية بينار كوشنير به من أجل دعم المبادرة الباريسية للاختيار بين عدة أسماء مقترحة، إلا أن جميع الأبواب على ما يبدو لا تزال موصدة.
وكما حذر موسى قبل ذلك من «شيطان التفاصيل» فعلى ما يبدو أن هذا الشيطان تملك من كل الحلول والمبادرات التي دعمها الوسطاء من الأشقاء العرب والأصدقاء الأوروبيين.
ولا تنفصل أزمة الرئاسة اللبنانية عن سياق ثلاثة أعوام من التوترات السياسية التي طفت إلى السطح مع التجديد للرئيس اللبناني الحالي إميل لحود لثلاث سنوات جديدة وما أعقبها من اغتيال لرئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري لتدخل البلد والمنطقة كلها في المجهول من تنامي الاستقطابات الاقليمية والدولية سواء بما يختص بالشأن اللبناني أو بملفات المنطقة الأخرى الساخنة.
ورغم نجاح الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة من تجاوز الكثير من المحطات الحرجة التي مر بها لبنان من العدوان الإسرائيلي الصيف الماضي أو إضرابات المعارضة التي أغلقت وسط بيروت التجاري في ديسمبر الماضي، إلا أن أزمة انتخاب الرئيس الحالية تعد إشكالية لا تخضع للمراهنات.
كون التجارب السابقة وعلى طول تاريخ لبنان المعاصر، كانت هذه الإشكالية سببا في جر البلد برمته إلى حافة الصدام، وليس ببعيد عن الذاكرة الحرب الأهلية في لبنان واغتيال الرئيسين بشير الجميل ورنيه معوض رغم أنهما انتخبا وفق الأصول الدستورية.
وأكثر السيناريوهات التي لا يرغب أحد برؤيتها، هو مغادرة لحود قصر بعبدا دون التوافق على رئيس جديد وهو ما سيعيد لبنان إلى أجواء العام 1988 وتشكيل حكومة مؤقتة الأمر الذي ترفضه الأكثرية النيابية.
وإزاء ذلك فإن التوافق العربي والاقليمي يعد ضرورة مهمة في هذا الوقت لما له من تأثير كبير على أداء السياسيين في لبنان، إذ لم يعد سراً تأثر المزاج السياسي في بيروت بالمحيط الخارجي، ونذكر باتفاقية الطائف والتي كانت محصلة توافق اقليمي ودولي ودعم سعودي كبير لانجاز المصالحة الوطنية التي تستجيب للتركيبة الطائفية في لبنان وتحترم خصوصيتها.
وليس لبنان بحاجة بالطبع إلى اتفاق طائف جديد، وإنما إلى موقف عربي موحد ومساند لوحدة لبنان واستقراره، وتعلم الدروس من تعثر الوساطة العربية السابقة بين الأكثرية النيابية والمعارضة.
والموقف العربي الداعم بحد ذاته أيضا يجنب لبنان وحده مسؤولية مواجهة الشروط الغربية «الواجب» توافرها في الرئيس المقبل سواء بما يخص الالتزام بانفاذ محكمة الحريري الدولية أو سحب سلاح المقاومة.
وبما أنه لم يعد هناك مجال للحلول السحرية مع بقاء أقل من 48 ساعة على الموعد المحدد لانتخاب الرئيس فإن الخيار المنطقي والوحيد هو الاتفاق على اسم رئيس مقبل من ضمن القائمة التي حددتها البطرياركية المارونية كون مسألة اختيار الرئيس مرتبطة مباشرة بهذه الطائفة، كما أنه من المنتظر أن يكون هناك موقف عربي مساند للجهود الفرنسية.
حيث لم يعد في الأفق سوى مبادرة باريس لتجنيب لبنان السقوط في درك المواجهة الأهلية، وهذا يتطلب أيضاً نزول كل من الأكثرية اللبنانية والمعارضة إلى الواقع وتحمل مسؤوليتهم التي تفرضها هذه الساعات الحرجة الأخيرة المتبقية أمام اللبنانيين لانتخاب رئيس جديد.
