تسارعت وتيرة التحرك الدبلوماسي الأميركي تجاه كل من تشيكيا وبولندا لاستكمال معالم المشروع العسكري الجديد الذي بات يعرف بالدرع الواقية من الصواريخ المعادية، وتزامن ذلك مع نشاط مماثل في عموم منطقة وسط وشرق أوروبا الآخذة بالتكامل شيئا فشيئا مع الغرب.
ما أثار الانتباه خلال الأيام القليلة الماضية هو أن واشنطن توجهت هذه المرة لمخاطبة الرأي العام المعارِض في تلك الدول، أي الطرف البعيد عن دائرة صنع القرار والسلطة التنفيذية عموما.
وهو تقليد قديم أثبت جدواه وفعاليته في أكثر من مناسبة وحدث سياسي، انطلاقا من الحقائق التي تفرضها الحياة الديمقراطية وهي أن تقاسم أو تبادل السلطة بين المعارضة والموالاة لا يكون مجرد تقليد حتمي فحسب، بل واجب وطني أيضا.
وبرغم الملاحظات التي قد تكون موجودة لدى البعض حيال السياسة الأميركية في بعض مناطق العالم، لكن الإنصاف يلزمنا للاعتراف بالمرونة والنشاط اللذين يحكمان أداء دبلوماسيتها عندما يتعلق الأمر بمصالحها ذات البعد الاستراتيجي الواضح.
ولعل أبرز ما استرعى انتباهي شخصيا في خضم الأحداث ذات الصلة بالموضوع الذي أشير إليه، هو التحرك الذي قام به مؤخرا زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي التشيكي ييرجي باروبيك للإطلاع عن كثب على وجهات نظر الأطراف الأميركية المختلفة حيال قاعدة الرادار المفترض بناؤها في تشيكيا، وكذلك التفسير الذي قدّمه للرأي العام المحلي لتبرير زيارته على رأس وفد من الحزب المعارض إلى واشنطن.
ما أثار الاهتمام في الواقع هو أن باروبيك، الذي يتمتع بفرصة كبيرة لترؤس الحكومة المقبلة في حال نُظمت الانتخابات البرلمانية المبكرة، اصطحب معه رئيس تكتله النيابي الذي يلعب دورا بارزا لإقناع نواب الحزب بضرورة التصويت إيجابا مع كل ما هو مرتبط بمشروع بناء القاعدة الأميركية.
فأين تكمن الأهمية في كل ما جرى ويجري؟
المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية تبرر اندفاعها الجامح لبناء القواعد العسكرية الجديدة في أوروبا الشرقية بارتفاع نسبة الخطر الآتي من الشرق وتحديدا من إيران الطامحة لانتاج السلاح النووي.
حيث باتت هذه الجدلية تشكل حجر الزاوية التي ترتكز عليها آلة الدعاية والتحريض (البروباغاندا ) المستخدمة من قبل واشنطن وحلفائها لإقناع الشعوب بالمنطق الذي يبرر توسيع وجودها العسكري في أوروبا.
ولأن هذه الجدلية لا تزال حتى الآن ركيكة وغير مقنعة لفئة كبيرة من المواطنين، الرافضين أصلا لفكرة استضافة أي شكل من أشكال التواجد العسكري الأجنبي حتى لو كان «حليفا»، فإن واشنطن تحاول من خلال القوى المحلية المعارضة الساعية أصلا لاستغلال كل ما يمكن لتعزيز رصيدها الانتخابي، أن تتغلغل إلى الإرادة الشعبية التي لا تزال حتى الآن صامدة في موقفها المعارض، بهدف محاصرتها وإقناعها بصحة ودقة الخطر القادم من الشرق.
ما يهمّنا في الإطار الشامل للمسألة هو أن الأحزاب المعارضة تزور واشنطن للإطلاع منها على حيثيات وتفاصيل مشروع بناء الدرع الواقية، لكن أيضا ، وهذا هو الأهم، للإطلاع على وجهة نظرها حيال قضايا مرتبطة بالمنطقة العربية خصوصا ومنطقة الشرق الأوسط عموما وأهمها:
ـ موقف المسؤولين الأميركيين في السلطتين التنفيذية والتشريعية ممّا تصفه واشنطن وحلفاؤها بالخطر المحتمل الآتي من منطقتي الشرق الأوسط (أي منطقة الخليج) والأدنى (كافة إفرازات الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي).
حيث تحرص في هذا الإطار على تأكيد رغبتها بالإطلاع بدقة على «كثافة،وخطورة وحتى التسلسل الزمني» لمثل هذه المخاطر والتهديدات التي ستنطلق حسب التفسيرات المتداولة من إيران ككيان ونظام إيديولوجي ـ عسكريتاري متكامل، وتاليا من العراق وأفغانستان بسبب تبعات الوضع الأمني في كل منهما.
ـ موقف المسؤولين الأميركيين حيال أزمة الشرق الأوسط عموما، والأزمات في منطقة الخليج خصوصا واشنطن هي إذن على تواصل دائم ليس مع حكومات الدول المعنية بالدرع الواقية فحسب، لكن أيضا مع القوى المؤثرة في المعارضة والسلطة التشريعية والتي قد تصبح ذات يوم في موقع يؤهلها لصنع القرار لا لمجرد التصويت عليه.
ومن موقعها الحساس هذا تساهم بلا شك في صياغة مجموعة من الأفكار والآراء التي تحكم أداء هذه الأحزاب خلال مرحلة انتظارها لاستلام السلطة، أملا بأن تكون هذه الآراء قد تحولت إلى قناعات راسخة مع وصولها فعليا إلى مرحلة صنع القرار التنفيذي.
ولسنا هنا بصدد شرح المواقف الأميركية حيال منطقة الشرق الأوسط لأنها واضحة للقاصي والداني منذ زمن بعيد، كما أن مسألة تقييمها ستخضع دائما لاعتبارات كثيرة مرتبطة بالمبادئ الإيديولوجية التي تحكم علاقة هذا الطرف أو ذاك مع الولايات المتحدة.
وبجميع الأحوال فإنه قد يكون من المنصف القول أن الأحزاب المعارِضة التي نتحدث عنها، وخصوصا في تشيكيا، ليست أحزابا تابعة بشكل مطلق للولايات المتحدة الأميركية وبالتالي ليست منفذا غبيا أو أعمى لسياساتها. فهي أظهرت في الآونة الأخيرة انفتاحا واضحا على الأطراف العربية أو الإيرانية للإطلاع على آرائها وتوجهاتها عن كثب.
وحاولت إضفاء قدر من الموضوعية على الأداء الدبلوماسي المحلي ، لكنها بقيت دون أدنى شك أسيرة البيئة التي تعمل ضمن حدودها، ورهينة التحالفات الاستراتيجية التي شاركت ذات يوم في صياغة خيوطها وتفاصيلها الدقيقة.
وبالاعتماد على كل ما سبق، ماذا يسعّنا أن نقول لأصحاب الشأن المعنيين أصلا بكل ما يجري، أي العرب تحديدا المتّهمين بالتقصير لأنهم سمحوا لمن يشاء وحتى لبعض الدول الناشئة حديثا على الخارطة السياسية العالمية، أن تتهمهم على الأقل بالتقصير فيما يتعلق بالخطر المزعوم، والمساهمة تاليا بنشر الإرهاب والفوضى في العالم؟
يبدو بأن أفضل ما يمكن أن نسمح لأنفسنا به في هذه المرحلة الحرجة، هو أن نوجه دعوة جدية لتحقيق وقفة مسؤولة تساهم بتوسيع دائرة التحرك والأداء الدبلوماسي العربي الذي من المفترض أن يعمل على إقناع شعوب أوروبا بمنطق موقفنا.
والتأكيد تاليا بأن ما تهول له الولايات المتحدة حاليا لتبرير مشروعها الجديد الواقي من الصواريخ المعادية، لا علاقة له بالمنطقة والعرب أو الإسلام، بل هو جزء من صراعها البارد الآخذة وتيرته بالارتفاع شيئا فشيئا.
المطلوب هو أن تستهدف هذه الحركة العربية الرأي العام الأوروبي عموما ، وأصحاب القرار خصوصا، والانتقال من حركة الدفاع السلبي إلى الممارسة الدبلوماسية الهجومية الإيجابية، لأن من شأن ذلك أن يُكسب العلاقات الثنائية تلك الهالة المتميزة برصانتها ومصداقيتها، والتي يطمح إليها كل عربي مقيم في وطنه أو خارجه.
وفي المحصلة النهائية... فان المطلوب بكل تأكيد هو إبعاد شبح الكراهية الموجه ضد العرب في كل يوم، والذي نساهم فيه للأسف من خلال تقصيرنا الواضح.
كاتب لبناني