منذ التاسع من أبريل عام 2003 وقع على عاتق الشباب العراقي المنخرط في المقاومة العراقية جل عبء إخراج الاحتلال الأنجلو - أميركي من منطقة ما عُرف إغريقياً قديماً ببلاد الرافدين. الآن وبعد سنوات من الاحتلال تأكد للعالم أجمع أن استعمال مصطلح «الديمقراطية الجديدة» سياسياً وإعلامياً ليس أكثر من إدخال «حصان طروادة» إلى المنطقة.
من جوف حصان طروادة الديمقراطي الأميركي تسربت مجموعة من الأفراد والتشكيلات الكامنة التي تهدف إلى استباحة الإنسان والقيم والمبادئ والعادات والتقاليد والمعتقدات التي ترفد حضارة المجتمع العربي والإسلامي السامية. يتصرف الاحتلال «الديمقراطي» الجديد والمغترّون به بطريقة غاية في الهمجية والوحشية وإقصاء الغير وأسلوب المرتزقة.
لا يختلف أسلوب الوحشية والإبادة الأميركية في القرن الواحد والعشرين عن نظيره تجاه الهنود الحمر منذ قرون، والفيتناميين واليابانيين والفلسطينيين والكوريين منذ عقود.
بدأ الاحتلال الأنجلو-أميركي للعراق بمبررات وذرائع أسطورية، ولا يزال يتمسك بها إعلامياً في مسلسل الضحك الجماعي الشامل على الذقون واللحى.
بدأت الذرائع بالقضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة إلى تحرير العراق من النظام السياسي الحاكم إلى ضرب تنظيم القاعدة إلى التصدي للنفوذ السياسي والديموغرافي الإيراني إلى حل مشكلة إقليم عرقي في شمال العراق مع تركيا.
لا تعدو تلك المبررات أكثر من هرطقات أو ترّهات أو تبعات احتلال جرت وتجري من خلالها أكبر عملية سطو مسلح أو غزو عسكري لاحضاري غاشم عرفها التاريخ البشري الحديث.
قطعاً وبتاتاً! لم يأت الاحتلال الأميركي لحماية الأقليات من الأغلبية أو العكس، وهو لم يأت لتحرير الشعوب من سطوة الحكام ولا لدعم تلك الشعوب لتقف على أقدامها. احتلال العراق جزء من خطة إستراتيجية يصبح العراق فيها قاعدة انطلاق رئيسية للاحتلال، تهدد وترهب الدول والأنظمة والأمم والشعوب المجاورة.
تهدف الخطة الإستراتيجية إلى إحكام السيطرة العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية على منطقة الشرق الأوسط الكبير. هذه إحدى تبعات انهيار الاتحاد السوفيتي وسيادة القطب الواحد، فيها تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى السيطرة على كافة مجريات السياسة الدولية، بدءاً باستباحة الضعفاء. كل ما يهم الاحتلال الأميركي هو مصالحه، والتي لا حصر لها، أولاً وثانياً ... وأخيراً.
يمهّد الاحتلال الأميركي المنطقة كي تصبح ميداناً كبيراً لحروب تصطدم فيها الحضارات والأمم والشعوب والمذاهب والطوائف والأعراق. جيّش الاحتلال المنطقة وحوّلها إلى فئات متناحرة من فرس وعرب وكرد وترك وآشور وكلدان وشيعة وسنة ومسلمين ومسيحيين ....
أدخل الاحتلال إلى المنطقة ما استطاع من أسلحة وحشد تعبوي كي يبدأ العد التنازلي لنزال بين تلك الفئات قد يحولها إلى أشلاء، يكون الاحتلال هو المنتصر السيد فيها أولاً وأخيراً. يستغل الاحتلال في ذلك ضعف بل تعكس حال الإدارات والقيادات السياسية والفكرية والاجتماعية والعقائدية في المنطقة.
في ذلك على قيادات الشعوب والأمم المستهدفة من التحركات الأميركية أن تعي صعوبة الوقوع في أفخاخ ومفخخات السياسة الأميركية. على القيادات أن تنقذ شعوبها من محرقة أو «هولوكوست» شرق أوسطي كبير جديد قد يكون الهولوكوست المتعارف عليه في أوروبا نقطة في بحره أو يقف مثل بعوضة بجانبه.
بات الصراع مع الاحتلال الأميركي في العراق والمنطقة ككل صراع ليّ أذرع وكسر إرادات، وأخذ زمام المبادرة في السياسة والإدارة والسيطرة والتحكم بالمصائر ونهب الخيرات وتنضيب الكفاءات. بنفسه وضع الاحتلال الأنجلو-أميركي شعوب المنطقة على درب كفاح طويل مرير لإنهاء وجوده فيها.
كل أنواع المقاومة للاحتلال مشروعة حسب القانون الدولي ولا غبار عليها؛ من المقاومة السلمية السلبية السياسية إلى استعمال الأسلحة المتوفرة للمقاومين.
باتت المقاومة هي الطريق الوحيد للتعامل مع الاحتلال، وهي أي المقاومة تمثل ضمير الشعب والأمة والحضارة الإنسانية جمعاء. بات واجباً على جميع أحرار العالم مناصرة مقاومة الشعب العراقي للتخلص من الاحتلال الأميركي، بالغ الهمجية بكل المقاييس وفي كافة الاعتبارات.
بعد تجربة سنوات عجاف مريرة تحت الاحتلال ثبت للجميع أنه من الجهل والغباء والعيب والعار الاستقواء والاستنجاد بالمحتل الغريب لحل المشاكل الداخلية بين العراقيين.
كيف للاحتلال الأميركي أن يحل مشاكل أزقة وشوارع وساحات وحارات الأحياء في المدن العراقية التي زرع الطائفية والمذهبية والعنصرية العرقية المقيتة في كل جوانبها؟!
استفاد الاحتلال الأميركي من تجربة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في تقطيع أواصر المدن بجدران الخرسانة العالية يقيمها لتفصل بين الإخوان والأشقاء والجيران في الأحياء الشعبية.
بات الوضع العام في العراق من اليسر على أمثال السيناتور الأميركي «جوزيف بايدن» لتقديم اقتراح بائس يقضي بتقسيم العراق بناء على أسس طائفية عرقية غريبة على الذهنية والفكر الشعبي العراقي قديماً وحديثاً.
عسى أن يستفيد العراقيون من تجارب غيرهم الكثيرة مع التواجد العسكري الأميركي عبر قارات العالم. في اليابان لا تزال القواعد العسكرية الأميركية تجعل السيادة اليابانية الداخلية مهانة والسياسة الخارجية لها مبتورة. وصل الأمر إلى حد تغيير بعض بنود الدستور الياباني في أوقات طوارئ!
ليتماشى مع السياسة الأميركية، كما حدث عشية غزو العراق. في دول أوروبية وبالذات ألمانيا عانى الشعب الألماني طويلاً من التواجد العسكري الأميركي وما تبعه من انتقاص للسيادة الداخلية والاستحواذ على ما تبقّى من القرار السياسي الخارجي الألماني.
في الفلبين وبعض دول الهند الصينية كان الوجود الأميركي يشكل عبئاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً أثقل كاهل تلك الدول والمجتمعات ودمّر ثقافاتها وحضاراتها الأصلية.
القاعدة العسكرية الأميركية في كوبا تشكل تهديداً وكابوساً إرهابياً دائماً للدولة والشعب الكوبيين. هنالك باقة من الدول النامية في المنطقة وعبر العالم ممن قبلت أو أجبرت على القبول بقواعد عسكرية شبه دائمة تؤرق نوم الحكام قليلاً والشعوب كثيراً.
بعد رفض الرئيس الاميركي الانسحاب حسب الجداول الزمنية التي يضعها الكونجرس من اجل سحب القوات الأميركية من العراق، وبعد استخدامه لحق النقض(الفيتو) الرئاسي سابقا ضد مشروع قانون ينطوي على جداول زمنية للانسحاب.
وبعد قرار مجلس الشيوخ الاميركي عرقلة الموافقة على قانون يخصص 50 مليون دولار لنفقات الحرب في العراق لان الديمقراطيين أرفقوا به جدولا زمنيا لسحب القوات الأميركية في العراق. نتساءل إلى متى ستظل القوات المحتلة الأميركية في العراق؟
على المقاومة العراقية تجهيز أمورها لمدى استراتيجي في التعامل مع الوجود الأميركي في بلاد الرافدين. ذلك بعد أن ثبت أن الاحتلال الأميركي جاء ليس كمحرر نزيه بل جاء كَـ «فاتح مكتشِف» للمنطقة على غرار ما حصل في الأميركتين وأستراليا ونيوزيلندا.
جامعة الإمارات