الشقاق المتصاعد في السودان بين حزب «المؤتمر الوطني» بزعامة الرئيس عمر البشير و«الحركة الشعبية» الجنوبية بزعامة سيلفا كير بدأ بحرب كلامية انتقلت بشخوص الجنرال سيلفا إلى واشنطن لتحريض إدارة بوش على شريكه في السلطة إلى حرب دبلوماسية. فهل يتحول الشقاق بعد ذلك إلى حرب عسكرية؟
لا شك أن الزعيم الجنوبي تلقى وعداً من الرئيس بوش بدعم أميركي للحركة الجنوبية. إذن فان الإجابة عن السؤال المطروح مرتهنة إلى مدى الدعم الموعود.. بمعنى هل يصل هذا الدعم إلى مستوى تشجيع الحركة على ابتدار حرب جنوبية ضد الشمال بما يعيد الوضع السوداني إلى مرحلة ما قبل اتفاق السلام؟
هناك منطقتان على الخط الحدودي الجغرافي بين الشمال والجنوب يمكن أن تنطلق من أي منهما شرارة صدام عسكري يمكن أن يتحول إلى حرب واسعة النطاق: منطقة شمال إقليم أعالي النيل ومنطقة أبيي في الغرب.. كلاهما غنيتان بمخزونات نفطية.
وعلة المشكلة هي اختلاف الطرفين المتنازعين على ترسيم الخط الحدودي بما يقرر مصير تبعية المنطقتين.. إما إلى الشمال أو الجنوب.
حتى الآن لا يبدي أي من الطرفين استعداداً لتقبل حل تفاوضي وسطي «كأن يتفقا على أن تتبع أبيي للشمال مقابل أن تكون تبعية شمال أعالي النيل للجنوب»، وشرارة الحرب سوف تنطلق إذا عمد أحد الطرفين إلى وضع يده على المنطقتين أو إحداهما بالقوة المسلحة.
ولكن هل ستكون الحرب لصالح أي من الطرفين؟
المؤكد انها ستكون حرباً عبثية. فالقاعدة البشرية عامة هي أن الحرب لا ينبغي أن تبتدر إلا من أجل تحقيق هدف إستراتيجي. وإذا كان المفترض هو أن يتصارع الطرفان قتالياً من أجل الاستيلاء الحربي على منطقتي أبيي وشمال أعالي النيل فان أولى ضحايا الحرب ستكون حقول النفط القائمة أو المرتقبة في المنطقتين.
وحتى إذا انتهى الأمر إلى تمكن أحد الطرفين من الاستيلاء العسكري على المنطقتين أو إحداهما فان حالة التحشيد التوتري لتجديد الاشتباك المسلح ستبقى إلى ما لا نهاية بما يؤدي حتماً لتوقف عمليات الاستثمار النفطي.
لكن الحرب إذا اشتعلت فعلاً فإن نطاقها سوف يتوسع بما يؤدي لاضطرابات أمنية في ولاية الخرطوم وحرب أهلية في ولايات الجنوب. فالمناخ القتالي سوف يحفز ميليشيات قبائل النوير والشلك والقبائل الاستوائية على مهاجمة قوات «الحركة» التي لا تمثل سوى قبيلة الدينكا.
غني عن القول إنه في هذه الحالة سيكون اتفاق نيفاشا للسلام قد ذهب في ذمة التاريخ، بما يتيح للحكومة المركزية التحلل من الالتزام الذي تفرضه عليها الاتفاقية في بروتوكول قسمة الثروة بإرسال تحويلات مالية منظمة إلى حكومة الجنوب.
هنا نتساءل: إذا كانت منطقة أبيي هي كما يقال الأكثر احتمالاً لاشتعال فتيل الحرب أليس من مصلحة الطرفين التوصل إلى صيغة وسطية توافقية بشأن مصيرها عوضاً عن حرب عبثية تضر بالشمال والجنوب معاً؟
للدكتور حسن الترابي اقتراح وجيه في هذا الصدد.. إذ يقترح تحويل أبيي إلى منطقة حرة عازلة بين الشمال والجنوب تحت إدارة مشتركة تتضمن أن يتقاسم الطرفان عائدات نفط المنطقة.
لو حظي هذا الاقتراح العقلاني بموافقة الطرفين فانه لن يتبقى لأهل الجنوب سوى ممارسة حق تقرير المصير وفقاً لاتفاقية السلام للأخذ بخيار الانفصال إذا شاءوا.