لا فرق بين يميني على يساري ولا ملكي على جمهوري ولا فاشي على تقدمي.. إلا بمدى التماهي مع الانتماء القومي الضيق. هكذا أرادتها النخبة السياسية في المملكة الاسبانية، التي عرضت لموقفها البالي هذا بوضوح لا لبس فيه في القمة الإيبروأميركية التي انعقدت مؤخراً في العاصمة التشيلية سانتياغو.
عندما دافع رئيس وزراء وصل إلى سدة الحكم بفضل أصوات اشتراكية عن رئيس وزراء يميني سابق نحته هذه الأصوات نفسها عن السلطة وعندما شد على يد الاثنين معاً ملك أعاده إلى العرش
ورعاه منذ عقود من الزمن ديكتاتور فاشي يدعى فرانكو تحالف مع النازي والفاشي في القرن الماضي وأزهق أرواح مئات الآلاف من الأسبان وفي مقدمهم شاعر رقيق يدعى فدر يكو غارسيا لوركا، لو كان حياً لتغير وجه المجتمع الأسباني عن بكرة أبيه.
وربما لهذا السبب بالذات يواصل رئيس الوزراء الأسباني السابق خوسيه ماريا أزنار طرح ما في جعبته من مخزون أيديولوجي يميني متطرف على رؤوس الأشهاد ويتباهى، على سبيل المثال، بدعمه للحرب الجائرة ضد العراق التي أزهقت بدورها أرواح مئات الآلاف من الأبرياء
وجلبت المعاناة والدمار لمجتمع بات مصيره في مهب ريح مجنونة تحرق الأخضر قبل اليابس وتعصف بكل أرجاء منطقة إستراتيجية من العالم، ويتوج كل هذا الفكر اليميني الصاخب بإصدار كتاب تحت عنوان «رسالة إلى فتى اسباني» تفوح منه رائحة كره الأجانب والتعصب بجميع أشكاله.
كيف لسياسي عقدت عليه الجماهير الأسبانية الأمل في الخروج من هذا المأزق أن يقف إلى جانب سياسي مهزوم تاريخه حافل بالفضائح والدسائس والتبعية للمركز الامبريالي المهيمن على العالم ممثلاً في الولايات المتحدة وإدارة المحافظين الجدد في واشنطن؟
ألم تفضح الصحافة الأسبانية منذ وقت قريب قصة تواطؤ أزنار مع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في قضية حرب العراق عندما أبلغه بوش في سهراتهما الحميمة في مزرعة «كور فورد» في تكساس إنه كان سيهاجم العراق بقرار من الأمم المتحدة أو بدونه وظل أزنار صامتاً
وربما ضاحكاً على طريقة الجنوب الأميركي المجلجلة، متناسياً ومزدرياً أولاً وقبل كل شيء موقف الرأي العام العالمي عموماً والأسباني على وجه الخصوص الذي عبرت عنه تلك التظاهرات المليونية التي غصت بها شوارع المدن والعواصم الغربية
ومن بينها مدريد طبعاً عشية الحرب ضد العراق. وكيف لرئيس الحكومة الأسبانية الحالي ثاباتيرو أن يخذل تلك الجماهير ويعود، بهذه الطريقة، عن قرار حزبه وحكومته المتعلق بقضية سحب القوات الأسبانية من العراق، علماً بأن هذه القضية بالذات هي الأولى التي أوصلته إلى سدة الحكم منذ ثلاثة أعوام تقريباً؟
إن الحماسة التي أبداها ثاباتيرو حيال سلفه ليست مفهومة ولا مبررة ليس من منظور شعوب أميركا اللاتينية التي تعرض أحد رؤسائها لهجوم من قبل ملك اسبانيا ورئيس وزرائه في سانتياغو، وإنما من منظور الحزب الاشتراكي الأسباني نفسه الذي يمثله
والذي يستعد لخوض غمار انتخابات تشريعية في العام المقبل الملك خوان كارلوس نفسه بات يشكل جزءاً من معادلتها بعد زيارته التاريخية هو وملكة اسبانيا لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين
التي استفزت مشاعر المغاربة والعرب جميعاً لتخدم في نهاية المطاف على موقف الحزب الشعبي الأسباني اليميني الذي ينتمي إليه أزنار في الصراع بين الحزبين التقليديين على السلطة في اسبانيا في محاولة لإرجاع حزب أزنار إلى السلطة.
والحماسة التي أبداها كل من الملك ورئيس الوزراء معاً لا تنسجم بدورها مع الموضوعات والآراء التي عرض لها بعض قادة بلدان أميركا اللاتينية في قمة سانتياغو، لا بل إنه من المخجل عدم تأييدهما لتلك الآراء والمضامين التي حاول أولئك القادة طرحها على بساط البحث في قمة حملت أصلاً شعار «التماسك الاجتماعي»،
فلقد طرحت، على سبيل المثال، قضية سفير اسبانيا في نيكاراغوا، الذي يبدو أنه تخلى عن منصبه كوزير وراح يعمل مستشاراً لأحزاب نيكاراغوية يمينية متطرفة تصنف، في أحسن الأحوال، في إطار الميليشيات والمرتزقة.
قضية أخرى طرحها الرئيس الفنزويلي تتعلق بتواطؤ أزنار مع الانقلابيين الفنزويليين الذين حاولوا منذ سنوات الإطاحة برئيسهم وقاموا بسجنه لمدة يومين ومن ثم أفرجوا عنه وعاد إلى كرسي الرئاسة تحت ضغط الشارع الفنزويلي، أي أن شافيز لم يهاجم لا اسبانيا ولا رموزها السيادية، بل إنه عرض لجريمة كان أزنار أحد مرتكبيها بطريقة أو بأخرى.
إن كل ما تنشده شعوب أميركا اللاتينية هو أن تتوقف حكومات أوروبا وأميركا الشمالية عن معاملتها بطريقة دونية تنطلق من منظور كولونيالي بحت، هذا المنظور الذي أخضع شعوب تلك المنطقة من العالم لأقسى صنوف الفقر والاستبعاد والاستغلال
والتهميش على مدار مئات السنين، على أن تفهم أن أصوات السكان الأصليين والمضطهدين والمنسيين هناك باتت تشكل بصورة نهائية جزءاً لا يتجزأ من المشهد الإيبروأميركي وأنه لن يغير من هذا الوضع بشئ لا ملوك ولا أنظمة ليبرالية جديدة وأنه لا يمكن إسكات تلك الأصوات.