قليلون يجادلون الآن في أنه لم يعد لانخفاض الدولار من قاع على المديين القريب والمتوسط. وهذه مسألة اقتصادية يبدو أنها قد حسمت لدى غالبية الاقتصاديين والسياسيين. بينما لا يزال عدد غير قليل يجادل في جدوى فك ارتباط عملاتنا الوطنية بالدولار.

لكن هذه مسألة سياسية لا علاقة لها بعلم الاقتصاد بقدر ما لقدرة الدولة الوطنية على اتخاذ قرارها بعيدا عن الضغوط السياسية الخارجية. هذه الحالة الرجراجة توضحها التصريحات المتفاوتة من جانب المسؤولين الخليجيين خلال الأيام القليلة الماضية.

محافظ المصرف المركزي لدولة الإمارات - سادس أكبر مصدر للنفط في العالم سلطان بن ناصر السويدي قال إن بلاده تعاني ضغطا متزايدا لفك الارتباط بالدولار. وأشار إلى جدوى أن يكون مثل القرار خليجيا، وبعبارات مزدوجة المعنى .

قال إن قادة دول الخليج قد يجتمعون قبل موعد القمة المقرر في ديسمبر القادم ليتخذوا قرارا بهذا الصدد، وأن الإمارات ربما تدرس ربط الدرهم بسلة عملات يشكل الدولار فيها النسبة الكبرى.

بينما خفف حمد السياري محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي من أن ضعف الدولار يشكل السبب الرئيسي للتضخم الذي تقول البيانات الحكومية إنه سجل في سبتمبر الماضي أعلى مستوى له منذ عشرة أعوام. رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أكد بأن تراجع الدولار يضر بقطر واقتصادها، لكنه رفض التعليق عما إذا كانت قطر تخطط لموازنة آثار الدولار الضعيف.

كذلك أيضاً تفاوتت ردود فعل المؤسسات المالية الأجنبية على مواقف الدول الخليجية المختلفة. سارعت كارولين جرادي محللة «دويتشه بنك» بالتعليق على التصريح الإماراتي بأن ذلك يؤكد توقعاتهم، وأن الإمارات قد تتخذ قرارها حتى دون انتظار دول الخليج الأخرى.

بينما كان نائب رئيس مؤسسة التقييم الائتمانية العالمية « موديز تريستان كوبر» قد استبعد في أواخر الشهر الماضي إقدام دول الخليج على فك عملاتها بالدولار أسوة بالكويت معتبرا أن رفع قيمة العملات الخليجية لن يكون في صالح الاقتصادات الخليجية التي تعتمد في صادراتها الهيدروكربونية على الدولار! !.

تدحض هذا الرأي معطيات صندوق النقد العربي التي تشير إلى أن حصة الاتحاد الأوروبي في الواردات العربية عام 2005 شكلت 6. 43% أما الولايات المتحدة فـ 7. 9% فقط. شيء من تاريخ الدولار ربما يفيد صانعي القرار في فهم مآله التاريخي، وقطع ترددهم بفهم ضرورة أن «نتغدى به قبل أن يتعشى بنا».

كان عمر السيد هربرت ف. آرمسترونغ 77 سنة في عام 1970، حين تذكر أيام طفولته. كانت أمه ترسله إلى القصاب وفي يده عشرة سنتات فقط لشراء قطعة من اللحم البقري. وتذكره أيضاً: «أطلب منه أن يعطيك قطعة شحم خارج الحساب».

استعان السيد آرمسترونغ بإحصائيات وزارة العمل الأميركية في عام 1913. في ذلك العام كنت تستطيع مقابل خمسة دولارات أن تشتري: 15 رطل بطاطا + 10 أرطال دقيق + 5 أرطال سكر + 5 أرطال من لحوم الطيور المنزلية + 3 أرطال من قطع لحم البقر + 3 أرطال رز + رطلين جبن + رطلين بيكون + رطل زبدة + رطل قهوة.

ويتبقى لديك ما تستطيع به شراء قطعتي خبز + 4 لترات حليب + 10 بيضات. بعد كل هذا يمكن أن يعيد لك البائع سنتين أو يعطيك قطعة حلوى. ولو كان جده أو أبوه قد ذهب إلى السوق قبله بمئة وثلاثين عاما، أي في عام 1783 لكان قد اشترى السلع نفسها بالخمسة دولارات إياها.

أي أنه فيما بين عامي 1783 و1913 كان الدولار الأميركي هو العملة التي يمكن بواسطتها حفظ الثروة دون قلق من أن تتآكل. ففيما عدا فترة الحرب ظل معدل التضخم في الولايات المتحدة يساوي الصفر عمليا.

لكن الأمر تغير منذ عام 1913. في هذا العام بدأ في الولايات المتحدة الأميركية نظام مصرف الاحتياطي الفيدرالي، وبدأت أميركا أول خطوات الانتقال من معيار الذهب إلى النظام المصرفي الذي يسمح بإصدار كميات لا محدودة من الأوراق النقدية. وبذلك بدأ الدولار مساره على الطريق الطويل، لكن الثابت، لعمليات التخفيض المستمر.

جوهر نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أوضحه في عام 1966 رئيسه السابق الآن غرينسبان. يتشكل هذا النظام من مصارف الاحتياط الفيدرالية الإقليمية، التي يمتلكها من الناحية الشكلية ملاك خاصون، لكنها في الجوهر تمول، تدار وتدعم من قبل الحكومة.

القروض التي تقدمها هذه المصارف مضمونة عمليا بحق الدولة في جمع الضرائب (بالرغم من أن ذلك بشكل غير رسمي). لم يعد مصدر الدفع للمودعين يتشكل من الذهب فقط، بل ومن القروض التي تقدمها مصارف الاحتياطي الفيدرالية الإقليمية «الاحتياطات الورقية».

بكلمات أخرى الأوراق النقدية أصبحت مغطاة بالذهب جزئيا فقط، بينما حصلت المصارف على إمكانية جني المال عن طريق تقديم القروض المضمونة بقروض مصارف الاحتياطي الفيدرالي (قد لا تحتوي حسابات مصارف الاحتياطي ذهبا).

في عام 1934 قررت الولايات المتحدة خفض عملتها مقابل الذهب من 67. 20 إلى 35 دولارا للأونصة، أي بمقدار 41%. وهكذا فقدت مدخرات كل من احتفظ بها بالدولار 41% من قيمتها خلال ليلة واحدة فقط. لقد هد هذا الحدث كل الثقة التي تمتع بها الدولار حتى ذلك الوقت.

لكن الحرب العالمية الثانية فتحت للدولار آفاقا جديدة باعتماده عملة الاحتياطي العالمي. استنزفت الحرب اقتصاد دول العالم الرأسمالية الكبرى فبدت مفلسة عمليا. الولايات المتحدة وحدها جنت من وراء الحرب اقتصادا قويا وجمعت لديها قرابة 80% من احتياطات الذهب العالمية.

وفي هذا الوضع اتفقت هذه الدول مجتمعة على ربط عملاتها الوطنية بالدولار الأميركي بسعر صرف 35 مقابل أونصة الذهب، وهي الاتفاقية التي عرفت فيما بعد باتفاقية بريتين وودز. غير أن ذلك لم يغير في المسار التاريخي «الانخفاضي» للدولار فيما بعد.

حسب التقديرات الحكومية الأميركية، يجب عليك أن تدفع اليوم 2000 دولار لتشتري نفس السلع التي كانت تباع بـ 100 دولار عام 1913. وإذا كنت تشتري أونصة الذهب أيام بريتين وودز بـ 35 دولاراً، فهي الآن تقترب من 850 دولارا، وقريبا ستتخطى الرقم القياسي التاريخي الذي سجلته في 21 يناير 1980، وهو 873 دولارا للأونصة.

وليست هناك قوة تستطيع وقف عمليات الانخفاض هذه لأنها ناتجة من طبيعة الاقتصاد الأميركي منذ نشوء نظام مصرف الاحتياطي الفيدرالي. ولا سبيل لإنقاذ العملات الوطنية والاقتصادات الوطنية إلا بسياسة نقدية مستقلة خارج أسر الدولار، الذي إن لم نتغد به فسيتعشى بنا.

عبدالجليل النعيمي

كاتب بحريني

ajnolaimi@gmail.com