بينما كان الزعيم الفلسطينى الشهيد ياسر عرفات محاصراً في «رام الله» بدبابات الاحتلال الإسرائيلي، طرحت قمة « بيروت » العربية مبادرة للسلام تحقق لإسرائيل ما لم تحلم به، انسحاب لحدود يونيو 67 فقط لتبقى على 80% من أرض فلسطين، وقيام الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، بما يعادل 20%من أرض فلسطين فقط.
وحل عادل لمشكلة اللاجئين، مقابل السلام والاعتراف والتطبيع معها، وبدا ذلك أقصى حدود التنازلات العربية التي لا يملكون بعدها ما يمكنهم التنازل عنه.. ومع ذلك كله لم تقبل أميركا ولا إسرائيل بالمبادرة العربية، وأصرتا على خارطة الطريق في تراجع للمربع الأول بعدما كان قد تم تجاوزها وصولا لمرحلة الحل النهائي.
وكان الرد الإسرائيلي قبل أن يجف حبر المبادرة اجتياح عدواني في الضفة الغربية، ورفض المبادرة بحجة أن أبو عمار «عقبة في طريق السلام»، وأعلنوا ضرورة التخلص منه بعدما تخلصوا من الشيخ الشهيد « أحمد ياسين»،
وتحقق لهم ماسعوا إليه كما تحقق له ما أراد برحيله شهيدا بعد طول صمود في مواجهة الحصار وبعد طول إصرار على رفض التنازل عن حق اللاجئين في العودة ولا عن القدس الشريف التي لا تخص الفلسطينيين فقط ولكن كل المسلمين في العالم.
وجاء محمود عباس رئيسا للسلطة الوطنية بالانتخاب، وهو الذي كان رئيس الوزراء المختلف مع رئيس السلطة ياسر عرفات، والبديل المفضل لدى واشنطن وتل أبيب أثناء الحصار وبعد الرحيل باعتباره في نظرهم رجل السلام،
وقدم كل ما هو مطلوب منه بدءاً بإعلانه رفض المقاومة المسلحة والالتزام الكامل بشروط الرباعية الدولية وبكل الاتفاقيات التي تلزم السلطة بأمن إسرائيل، ورفض الحوار مع حماس بعد المواجهة المؤسفة في غزة لإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية
استجابة لتحذيراتهم لكي يكون شريكا في المفاوضات للوصول إلى السلام الذي يريدون، بينما كان يأمل بعد كل ما قال وفعل الوصول إلى السلام الذي يريد كحد أدنى لما يريده الشعب الفلسطينى..
وأعلن أبومازن في البداية أنه لن يتنازل عن شيء رفض أبو عمار التنازل عنه، ولن يقبل شيئا لم يقبل به أبو عمار، ومع ذلك لم يبدأوا التفاوض معه إلا بعد عامين ونصف، وبعد إقالة حكومة الوحدة الوطنية بعد الاقتتال بين فتح وحماس والفصل بين الضفة وغزة!
وفيما بدا دعما من واشنطن لسياسة عباس المفاوض ومحاصرة لنهج حماس المقاوم من جهة، ومن جهة أخرى فيما خفي أنه محاولة من الرئيس الأميركي لتعويم سياسته الغارقة بجيشه في مستنقعات العراق وأفغانستان،
ولتحييد العرب وشراء صمتهم إزاء ما كان يخطط له بشن حرب على إيران ستغرق المنطقة في بحور الصراع والفوضى، وسعيا لتحقيق أهداف إسرائيل في محاولتها بالتطبيع قبل التفاوض وقبل التوقيع ولاختراق دول الخليج العربي للحصول على جزء من كعكة العوائد النفطية، ولمحاولة الرئيس بوش تحقيق أي نجاح سياسي دعائي له لتعويض الفشل العسكري والسياسي في العراق، ولحليفه أولمرت لتعويض الفشل العسكري والسياسي في لبنان..
وجه الرئيس بوش دعوة شفوية إلى لقاء ما أسماه اجتماع أو مؤتمر (لم يحِدد ولم يتحدد) تحضره دول معنية بالسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين (لم يحددها ولم تتحدد)، بلا جدول أعمال معلن وبلا موعد محدد سوى فصل الخريف.
شيء أشبه بحفلة علاقات عامة ضبابية كضباب الخريف. ومع ذلك رحب العرب على الفور في مؤتمر وزراء الخارجية العرب بدعوة الرئيس الأميركي (دون أن يعرفوا مثلما لا يعرف هو عن الخبر شيئا يجيب عن الأسئلة الخمسة (من، ماذا، متى، أين، لماذا؟) في انتظار الآنسة رايس وجولاتها التي تعددت في عواصم المنطقة لسبع لفات،
ومع ذلك أظن أن أحدا لم يعرف شيئا سوى أن اجتماعا سيعقد ليوم واحد في مدينة «أنابوليس» الأميركية، تحضره العديد من الدول العربية وفى مقدمتها السعودية، برئاسة الوزيرة «رايس» الأميركية.. فهل سيذهب العرب برغم مخاطر الفشل؟.. طبعاً!!