يعتقد البعض أن «الهوية» هي قضية من لا قضية له، وموضوع من يجد نفسه في مأزق من الكُتَّاب الذين لا يجدون أحيانا ما يكتبون عنه فيلجأون إلى موضوع «الهوية» لينقذهم من الورطة التي يجدون أنفسهم فيها أمام إلحاح الكتابة الذي يطاردهم.

وحتى لو كان هذا صحيحا فلا تثريب على الكُتَّاب إذا هم فعلوا ذلك، لأن موضوع «الهوية» يجب أن يبقى مطروحا دائما لارتباطه بكيان الوطن والأمة، وهو من الثوابت التي يجب التمسك بها، لأن وطناً وأمة لا ثوابت لهما معرضان للزوال وطغيان ثقافات وهويات الشعوب والأمم الأخرى على هويتهما، ولا نظننا بحاجة إلى ضرب أمثلة على ذلك لأن الأمثلة كثيرة ومحفوظة.

يربط البعض أحيانا بين الهوية والتخلف في مغالطة واضحة ومكشوفة لإبطال القضية من أساسها، بدعوى أننا نسعى إلى العالمية، في الوقت الذي يشدنا فيه التمسك بالهوية إلى الوراء ويعيدنا إلى عصور الفقر والتخلف والجهل التي تركناها خلفنا ولا مجال للعودة إليها،

حتى لو فقدنا ملامحنا وبدلناها بملامح جديدة تتناسب مع مظهرنا الجديد والمكانة التي نسعى إليها. وهذا ربط خاطئ، واضح أن الهدف منه هو استعداء أصحاب القرار على الداعين إلى التمسك بالهوية،

وإفشال مسعاهم إلى إبقاء القضية في دائرة الضوء كي لا تفقد وهجها وتتحول بمرور الوقت إلى مجرد بند على جداول أعمال الندوات واللقاءات، شأنها شأن قضايانا الكثيرة التي لا تتزحزح عن مواقعها إلا إلى الوراء لتقف شاهدة على فشلنا وخيبتنا وعجزنا عن كسب القضايا العادلة والمحافظة على الحقوق المشروعة.

«الهوية» التي نتحدث عنها هي المكون الأساسي لأي شعب وأمة جوهرا ومظهرا. إنها «البصمة» التي يحملها كل شعب لتميزه عن غيره، فهل يستطيع أي زائر لبلدنا أن يميز «بصمتنا» كما يفعل عندما يزور الصين أو اليابان مثلا؟ هذا هو السؤال الذي نبحث عن إجابة له، وإجابة هذا السؤال تقتضي منا بحثا في جوهرنا ومظهرنا اللذين لا نستطيع أن نتحدث عن أيٍّ منهما بمعزل عن الآخر.

المحافظة على الهوية تحتاج منا إلى جهد كبير، وإلى استعداد للتنازل عن بعض مظاهر الرفاهية التي حملتها إلينا الوفرة المادية التي شهدها مجتمعنا منذ بداية سبعينات القرن الماضي وأدخلت علينا سلوكيات جديدة لم يكن يعرفها مجتمع الإمارات قبل مرحلة النفط.

ولنأخذ على هذا مثلا الدراسة التي أجراها مركز المعلومات بغرفة تجارة وصناعة أبوظبي وقدرت حجم إنفاق الأسر بدولة الإمارات على العمالة المنزلية بنحو 3 مليارات درهم سنويا،

مشيرةً إلى أن الأسرة في دولة الإمارات تعتمد اعتمادا كليا على العمالة المنزلية، وفي أدق تفاصيل الحياة بما في ذلك تربية الأبناء، ولفتت إلى أنها أصبحت تشكل جزءا لا يتجزأ من المجتمع بالدولة وأمراً واقعاً تستعصي الحياة بدونه ويتأثر مستوى الرفاهية بغيابه.

وقدرت الدراسة عدد خدم المنازل في الإمارات بحوالي 280 ألفا يشكلون ما نسبته 9% من إجمالي عدد المشتغلين بالدولة، بينما بلغت نسبة حجم العمالة المنزلية حوالي 5% من إجمالي عدد السكان.

وسجلت إمارة أبوظبي وحدها نسبة زيادة بلغت 51% وهي نسبة مرتفعة جدا يتحمل مسؤوليتها المجتمع عموما ومجتمع المواطنين خصوصا، فبعض الأسر لديها عمالة منزلية تزيد عن حاجتها، وأحيانا يدخل ارتفاع العدد في مجال التفاخر والتباهي كما تقول الدراسة.

لا شك أن هذه الدراسة تدق نواقيس لا عدد لها، خاصة فيما يتعلق باعتماد الأسر اعتمادا كليا على الخدم في تربية الأبناء. الأمر الذي يشكل خطراً ليس على «الهوية» فقط وإنما على مستقبل الأجيال القادمة التي تتربى على أيدي عمالة وافدة قادمة من بيئات مغايرة تماما لبيئة الإمارات،

يدين أصحابها بديانات مختلفة عن ديانتنا، من بينها البوذية والمجوسية وديانات وثنية لم نسمع بها، ويمارسون عادات لا علاقة لها بعادات أهل الإمارات وتقاليدهم والمخزون الأخلاقي والحضاري المتوارث الذي انتقل من الأجداد إلى الآباء

ويكاد ينقطع عن الأحفاد؛ هذا الموروث الذي يتبدد على أيدي هؤلاء الخدم والمربيات القادمات إلينا من بيئات فقيرة ومجتمعات متخلفة؛ من الأرياف والقرى البعيدة التي لم ينل أهلها حظا من التعليم والتربية السليمة كي نوكل إليهم تربية أبنائنا وتنشئتهم ليخرج لنا على أيديهن جيل مسخ من الأبناء لا يشعرون بالانتماء إلى هذه الأرض،

ولا يحملون من الحس الوطني ما يؤهلهم للمحافظة عليها، حتى إذا ما خرجوا إلى المحيط الذي يعيشون فيه وجدوا من الأسباب والمظاهر ما يكرس فقدانهم للهوية التي نريد لهم أن يتربوا محافظين عليها فإذا بهم يسقطونها من حساباتهم لأنها لا تمثل لهم قيمة ومكسبا يدفعهم للدفاع عنها.

وفي استطلاع أجرته صحيفة «الإمارات اليوم» على مدى يومين الأسبوع الماضي، كان السؤال المطروح هو: إلى أي مدى يشكل عدم إتقان اللغة الإنجليزية عائقا أمام فرص العمل في مجتمع الإمارات؟

وقد شارك في الإجابة على سؤال الاستطلاع 18 قارئا من مختلف الجنسيات، رأى ثلاثة منهم ـ بدرجات متفاوتة ـ أن ذلك لا يشكل عائقا بالمعنى الحقيقي، ورفض واحد منهم أن تكون اللغةُ الإنجليزيةُ الأداةَ الوحيدةَ لتقويم المهارات، بينما رأى الخمسة عشر مشتركا الآخرون أن عدم إتقان اللغة الإنجليزية يشكل عائقا كبيرا أمام فرص العمل،

ورفض أحد مديري الشركات أن يعين لديه من لا يجيدها، وقالت إحدى المشاركات العربيات إن كل الوظائف التي تقدمت لها اشترطت اللغة الإنجليزية بإتقان وليس بمستوى الإدراك أو ما يكفي لإجراء محادثة مختصرة،

إذ أصبح الشرط الأساسي للحصول على وظيفة في الإمارات هو إتقان اللغة الإنجليزية حتى قبل إتقان العمل نفسه، الأمر الذي يجعلنا - والكلام ما زال للمشاركة في الاستطلاع - نفكر في تطوير التعليم ليصبح موائما لسوق العمل.

هذه هي إحدى الحقائق المؤلمة التي يرتكز عليها المطالبون بالمحافظة على الهوية، فعندما تفرض سوق العمل لغة غير لغة أهل البلد لا يعود الأمر بالبساطة التي يحاول البعض أن يقنعنا بها، وعندما يتحول نظام التعليم من أدنى مراحله إلى أعلاها إلى لغة غير لغة أهل البلد يحتاج الأمر إلى أكثر من مجرد صرخات يطلقها الكتاب والمثقفون والمواطنون الغيورون على هوية البلد

التي يتهددها هذا التغريب الذي نمارسه عليها كل يوم في سعينا إلى العالمية التي لم يقل أحد إن من شروطها إلغاء هويتنا وتهميش لغتنا وتسليم أبنائنا إلى المربيات والخادمات الأجنبيات القادمات من مجتمعات غريبة عن مجتمعاتنا وعاداتنا وتقاليدنا وقيمنا وأخلاقنا.

لهذا كله ليس مستغربا أن نسمع بعض الأصوات التي تدعونا إلى السعي لأن نكون أكبر «جالية» في بلدنا، بل لعلنا نكون متفائلين لو تحولنا إلى جالية، إذ المفترض والحال هذه أن نذوب ونتلاشى في الجاليات الأخرى قبل أن ننقرض ونصبح جزءاً من التاريخ لا وجود له في الجغرافيا،

فالعارفون بأحوال الأمم والشعوب يقولون إن هذه عادة ما تكون أعراض ما قبل الانقراض، ولا أظننا نريد هذا ولا نسعى إليه ولا نتمناه.

كاتب إماراتي

Aliobaid4000@yahoo.com