لن يهدأ الجدل حول النفط أسعاره وتأثيراته على الاقتصاد والبيئة، ومستويات الإنتاج وعلاقته بالدولار، وفيما لابد من فسخ العقد مع هذه العملة الرئيسية، لكن القمة تبدو، رغم التوجهات المختلفة للقادة، ومن يتحول باتجاه أمريكا، والغرب أو ضدهما، أن هذه السلعة يجب أن تخرج من سوق المزايدات السياسية، والأيدلوجيات التي توجّه تلك الطاقة بين يمين ويسار وعدو وصديق، إلى حياد تام باعتبارها كأي منتج آخر يرتبط بمصالح كل العالم، والذين سواء تقاتلوا أو تصافحوا فهم زبائن الدول المنتجة، وأصحاب الحاجة الدائمة.
الرياض أهم دولة إنتاج واحتياطيات، ولأن قمة أوبك تواجه تحدياً كبيراً من الدول المستهلكة، وخاصة التقليدية التي طالما اعتمدت عليها دول المنظمة، وخاصة الغرب بجناحيه الأوروبي والأمريكي، فإن الوضع الراهن بدّل المعادلات القديمة إلى منافسين جدد في الاستهلاك وهنا يجب أن يشمل الحوار والاتفاق على بنود الاجتماع الختامي، أننا لابد أن نعرف أن موازين القوى إذا كانت متساوية بين المنتجين والمستهلكين، فإنه من المستحيل حشد قوة أحدهما ضد الآخر.
فلا تكتل أوبك بقادر على أن يمتنع عن تلبية احتياجات السوق، ولا المستهلكون لديهم القوة في تشكيل قوة ضغط تستطيع أن تستغني عن النفط، ثم إن هناك فواصل في الأفكار تجعل طرفي المعادلة بحاجة إلى تنسيق أكثر حتى لا يختل توازن السوق، وندخل في مسابقة مجنونة في رفع الأسعار يديرها مضاربون وقوى أخرى تساندهم وتستفيد منهم.
القمة حدث ليس بذاته، وإنما بمكاشفة العوامل العديدة التي يجب أن تظل الطاقة النفطية محور حوار ومراجعة بحيث لا يضارّ أي من الأطراف إلى حد الإفلاس، والموضوع لا يتعلق فقط بدول منتجة إذا ماعرفنا أن أمريكا تعتبر الأكثر إسرافاً بالاستهلاك، والذي يعد عبثياً وترفاً، وهي الدولة التي تريد معاقبة الدول المنتجة بالضرائب، وخلق البدائل، وعدم لجوئها لدول تعتبرها مضطربة سياسياً وأمنياً، ومع ذلك فإن أكبر أعدائها ليست دول الخليج والعالم الإسلامي، بل فنزويلا التي ظلت البقرة الحلوب في الماضي وشوكة اللثة في الوقت الراهن، وإذا ما أضيف لها إيران واضطرابات نيجيريا، فإن العالم لا تحكمه التصورات والأماني وإنما الوقائع والحقائق، وبصرف النظر عن العداء، أو التحالف فإن أي سلعة استراتيجية لها حساسيتها من أي مصادفة عادية أو مفاجئة، ودول النفط في الخليج ظلت تراعي كل الأحوال السيئة والحسنة حتى إن ما جرى من حروب على حافة هذا الموقع الاستراتيجي جاء من خارجها، وكان التأثير قاتلاً لأنها الدول التي استنزفتها تلك الحروب، وهددت أمنها ومصالحها.
لسنا في حالة حسابات مع أو ضد، ولكن الدول المنتجة أصبح لها تصوّرها وقراراتها وبالتالي فهي تدرك معنى استقرار العالم بما في ذلك تدفق النفط للجميع، لكن ذلك مرهون أيضاً بأدوار الدول العظمى التي تفجر الأحداث ولا تراعي سلبية مردودها على الأمن الدولي..
