في الذكرى الثالثة لرحيل ياسر عرفات، تحدث خليفته رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) فأعلن أن مؤتمر الخريف الذي دعا إليه الرئيس الأميركي بوش هو فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط أساسها «قيام دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف واستعادة الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في 1967 .
وتحقيق الأمن والسلام لنا وللإسرائيليين ولدول وشعوب المنطقة» لا اعرف من أين جاء أبو مازن بكل هذا التفاؤل، وهو يقف على ضريح أبو عمار الذي صدر الحكم بإعدامه والتخلص منه يوم رفض الحل الإسرائيلي ـ الأميركي الذي عرض عليه في كامب ديفيد،
وتصدق عليه يوم دخول بوش للبيت الأبيض، وشرع السفاح شارون في تنفيذ المهمة على الفور، وعلى مرأى ومسمع من العالم كله بعد أن أصبح أبو عمار الذي منحه هذا العالم جائزة نوبل للسلام قبل أعوام قليلة،
أصبح بإشارة من أميركا إرهابياً يجب التخلص منه بعد أن تحول - هو وليس شارون وباقي السفاحين الإسرائيليين ـ إلى عقبة في وجه السلام، وإلى جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل.. الأميركي ـ الإسرائيلي بالطبع !
وبعد ساعات من حديث أبو مازن المتفائل بـ «الفرصة التاريخية»، وبينما هو يستعد للذهاب إلى تركيا لمقابلة رئيس الدولة الإسرائيلي شيمون بيريز الذي فتح البرلمان التركي بأغلبيته الإسلامية أبوابه ليكون أول رئيس إسرائيلي يتحدث من منبره،
كان المشهد على الجانبين الفلسطيني الإسرائيلي، وبخلفيته العربية والإقليمية والدولية، يعطينا الدلائل على هذه «الفرصة التاريخية» الذي بشرنا بها أبو مازن في احتفال الضفة بذكري أبوعمار .
فلسطينيا.. كانت المأساة تتجسد مرة أخرى على ارض غزة. حيث كان عشرات الشهداء والجرحى يتساقطون أثناء الاحتفال بالذكري، ليس برصاص العدو الإسرائيلي، وإنما برصاص الأخوة الأعداء، وفي صدام بين جماهير فتح ومسلحي حماس القابضة على «السلطة» في القطاع. وبغض النظر عن تبادل الاتهامات عن المسؤولية فيما حدث،
فإن الكارثة قد تحققت من زمن، والدم الفلسطيني لم يعد محرماً على السلاح الفلسطيني، والمقاومة أصبحت في ذمة الله، والقطاع الذي كان كابوساً للمحتل أصبح الآن يعاني حصار الجوع، ورفقاء الانتفاضة ضد المحتل يتقاتلون على لا شيء..
أو على سلطة وهمية لا تملك من أمرها شيئاً. والسؤال الذي يتهرب منه الجميع: هل بمثل هذا الوضع البائس يدخل الفلسطينيون المفاوضات على «الحل التاريخي» ؟! وأي عاقل يمكن أن يتوقع من العدو أن «يتنازل !!»
ومن العالم أن يتحرك نحو تسوية عادلة إذا كان أصحاب الحق في مثل هذه الحالة البائسة سياسياً واقتصاديا ، وإذا كان ما يملكون من رصاصات قليلة قد أصبح مكانها صدور الأشقاء في هذا المشهد المأساوي الذي تعيشه فلسطين الآن ؟!
هل يدهشنا ـ والحال هكذا ـ أن تترافق أحداث غزة الأخيرة مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت في نفس اليوم والتي أكد فيها أن «أي حديث عن دولة فلسطينية مرتبط باعتراف الفلسطينيين بأن إسرائيل دولة يهودية، وأن أي اتفاق محتمل يعني نهاية الصراع ونهاية المطالبة».
وهو ما يعني ببساطة تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وإسقاط حق العودة، وهو أمر قطعت القيادة الفلسطينية والعربية خطوة على طريقه بالإقرار في المبادرة العربية بحل هذه القضية في «إطار عادل ومتفق عليه» لكن الأمر هنا يصبح أكثر وضوحاً، وأشد خطراً .
أكثر وضوحاً، لأنه يعني أن أي حديث عن دولة فلسطينية لن يأتي إلا بالإقرار الفلسطيني ( والعربي !!) بأن اللاجئين الفلسطينيين لن يعودوا إلى داخل فلسطين المحتلة، وربما تكون حتى «الترضية» التي كانت قد وعدت بها أميركا بإقناع إسرائيل بقبول عدد لا يزيد على مئة ألف لاجئ فلسطيني قد سقطت،
علماً بان هذا العدد المحدود كان مشروطاً بان يعودوا في إطار لم شمل العائلات، وعلي أن يكونوا من لاجئ 48 وليس من أبنائهم أو أحفادهم، وبأن يعودوا على مدى سنوات طويلة بحيث يكون من الأرجح ألا يجدوا العدد المسموح له بالعودة على قيد الحياة!
لكن الأخطر هو ما يتعلق بالفلسطينيين داخل إسرائيل. هؤلاء الذين يمثلون ما يقرب من 20 % من تعداد الكيان الصهيوني، والذين ناضلوا على مدى ستين عاما ـ وفي أصعب الظروف ـ من اجل الاحتفاظ بهويتهم العربية من ناحية، ومن أجل الحصول على حقوقهم على قدم المساواة مع باقي الإسرائيليين من غير العرب.
لقد تبلور هذا النضال في السنوات الأخيرة في شعار «دولة لكل مواطنيها»، أي دولة ثنائية القومية تضم الفلسطينيين واليهود على قدم المساواة، وهو ما اعتبرته القيادات الإسرائيلية الخطر الأكبر على الكيان الصهيوني، خاصة في ظل ما تردده الآلة الدعائية الإسرائيلية عن الخطر البيولوجي العربي في ظل ارتفاع نسبة المواليد بين الفلسطينيين بالمقارنة بيهود إسرائيل.
لتنطلق الدعوات العنصرية التي لا ترفض فقط عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم المغتصبة عام 48، وإنما تبدأ في ترديد الدعوات لـ « ترانسفير» جديد لطرد «عرب إسرائيل» إلى خارجها بدعوي المحافظة على «يهودية الدولة» ومع فجاجة الدعوة لـ « ترانسفير» جديد،
وأثارتها لذكريات المذابح التي ارتكبها اليهود ضد الفلسطينيين لدفعهم خارج وطنهم عام 48، وهي المذابح التي تباهي بها قادة إسرائيل ومؤسسوها، والتي كانت أحد المحاور الهامة لحركة «المؤرخين الجدد» الإسرائيلية التي تحاول تصحيح الأكاذيب حول ما جري وأدي إلى خروج الشعب الفلسطيني من أرضه.. جري الالتفاف حول الفكرة ولكن بأساليب أخرى :
فهناك أولا التضييق على عرب 48 وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، والتفرقة الكبيرة بين معاملتهم ومعاملة اليهود داخل الكيان الإسرائيلي، وحرمان المناطق العربية من الخدمات، ووضع القيود على الزواج بينهم وبين فلسطيني الضفة والقطاع، ووضع العقبات أمام منح الجنسية للزوجات والأزواج العرب.. إلى آخر هذه الإجراءات التي تستهدف حصار العرب وإبقاءهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة.. إذا بقوا .
وبعد طول ممانعة لقيام الدولة الفلسطينية، يجري الآن التسويق لها ليس باعتبارها هدفاً للنضال الفلسطيني، ولكن باعتبارها حلاً يحفظ يهودية الدولة الإسرائيلية. والخطورة هنا أن «الترانسفير» لم يسقط نهائيا،
وان يهودية الدولة لا تعني فقط الخوف من ضم الضفة وغزة وبالتالي تعريض الغالبية اليهودية للتناقص، وإنما الأمر يعني التطهير العرقي بوسائل أخرى. ومن هنا فإن الحديث عن الدولة الفلسطينية الموعودة يرتبط بالإصرار الإسرائيلي والتأييد الأميركي وتسليم السلطة الفلسطينية بعدم الالتزام بحدود 67،
والأمر هنا يتعدي القدس العربية التي يتم تهويدها على قدم وساق، وإنما إلى القبول بمبدأ تبادل الأراضي الذي لا يفتح الباب فقط لبقاء المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، ولا يقتصر فقط على تبادل أراض لها قيمتها في الضفة بأراض قاحلة في صحراء النقب وإنما الأمر يتعدى ذلك إلى ما هو اخطر،
حيث بدأ الترويج قبل فترة لفكرة ضم المثلث العربي في الجليل والذي يضم غالبية الفلسطينيين في أراضي 48 إلى أراضى السلطة الفلسطينية مقابل ضم أراض المستوطنات الإسرائيلية في الضفة إلى الكيان الصهيوني، كخطوة تضمن استكمال مخطط الحفاظ على يهودية الدولة الإسرائيلية.
والأخطر هنا أن يهودية الدولة لم تعد هدفا إسرائيليا فقط، بل أصبحت عقيدة أساسية للإدارة الأميركية وللرئيس بوش تم التعهد بوضعها موضع التطبيق من الرئيس الأميركي شخصياً، وتبذل الإدارة الأميركية كل جهدها لفرضها على الفلسطينيين والعرب،
وجعلها أساسا لحل الدولتين الذي هو في صورته المطروحة حل إسرائيلي جملة وتفصيلا لا يترك مجالاً لدولة حقيقية، بل لكيان تابع ممزق يحل مشكلة إسرائيل ويحفظ يهوديتها، ويصفي القضية العادلة لشعب فلسطين .
ولقد ردت السلطة الفلسطينية على تصريحات أولمرت الأخيرة بان اشتراط رئيس الوزراء الإسرائيلي مؤكدة وأن الإقرار الفلسطيني ( والعربي ) بيهودية الدولة الإسرائيلية هو أمر غير مطروح للنقاش .
وليتنا نستطيع تصديق ذلك، خاصة إذا تذكرنا أن أبو مازن سبق له أن وقف أمام الرئيس الأميركي ورئيس وزراء إسرائيل والرئيس المصري وملك الأردن ليتحدث عن يهودية الدولة الإسرائيلية بعد ضغوط أميركية ووعود لم تتحقق. وكان أبو مازن يومها رئيساً للوزراء يصارع على اختصاصاته مع الرئيس الراحل عرفات..
فما الذي سيحدث الآن وهو بالقطع ليس عرفات، والفلسطينيون اليوم قد انتقلوا من الانتفاضة إلى الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية ؟ هل يستطيع أبو مازن أن يقاوم الضغوط الأميركية والإملاءات الإسرائيلية؟
وهل نحن بالفعل أمام فرصة تاريخية كما بشرنا، أم أنه سيجد نفسه أمام الموقف الصعب: أن يقبل بما لا يمكن القبول به، أو يدفع الثمن الذي دفعه أبو عمار من قبل ؟
أسئلة لن يطول انتظارنا للإجابة عليها
نقيب الصحافيين المصريين