عشية اجتماع أنابوليس تحظى مسألة واحدة بتوافق واسع بشأنها بين الفاعلين والمراقبين وكافة المعنيين أيا كانت انتماءاتهم الوطنية أو توجهاتهم السياسية أو تمنياتهم المستقبلية، وهي أن كل مسببات عدم النجاح موجودة رغم التخفيض المستمر لسقف التوقعات و«تصغير» أهداف الاجتماع منذ انطلقت الدبلوماسية المكوكية للتحضير المباشر وغير المباشر لهذا الاجتماع.
النجاح يقاس ولو بدرجات مختلفة بالقدرة على ترجمة الوثيقة التي يفترض أن تصدر عن أنابوليس، ترجمة مقنعة وذات مصداقية، على أنها تمثل انطلاقة جدية لقطار المفاوضات.
وللتذكير فقط فان بدايات التحضير للمؤتمر حملت الوعد بوثيقة إطار اتفاق للتراجع إلى ما يبدو اليوم وكأنه دعوة «لحفلة» تشجيع والتزام بالطبع بالتشجيع «لرحلة» مفاوضات ذات عناوين فضفاضة جهز لها رئيس وزراء إسرائيل شرطين قادرين بسهولة فائقة على منع إقلاع تلك الرحلة.
شرطان يذكران بدبلوماسية الشروط التي كان يلجأ إليها ارييل شارون كلما حشر أمام مقترحات أو دعوات أو مواعيد للتفاوض، إنها دبلوماسية الشروط المسبقة التي هي في حقيقة الأمر دبلوماسية تلافي التفاوض.
أولمرت يقول إن الهدف الأساسي لديه هو سلامة أو تماسك الائتلاف الحكومي وإذا تذكرنا أن احد الأسباب الرئيسية «المخفية» لهذا الاجتماع الدولي هو دعم أولمرت سياسيا وإذ تذكرنا أن حزبي شاس وإسرائيل بيتنا يهددان ويتوعدان بالخروج من الحكومة واللجوء إلى تحالف مع الليكود
وإذا تذكرنا أن بعض «كاديما» وبعض «العمل» جاهزون أيضاً إلى جانب الحزبين المذكورين فيما إذا ما حصل أي «تفريط» بالأهداف الإسرائيلية لنسف الائتلاف الحكومي كل من موقعه، تصبح سياسة الجمود وعدم الحركة الوسيلة الوحيدة لاستمرار أولمرت على رأس حكومته. فلا تنازلات للفلسطينيين، وذلك عبر دبلوماسية الشروط المسبقة وتلافي التفاوض.
الشرط الثاني الجديد في صياغته وفي وضوحه الذي أعلنه أولمرت في الربع ساعة الأخيرة قبل أنابوليس والذي صاغته وزيرة خارجيته تحت عنوان «دولتين قوميتين» بدل دولتين فقط للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني هو أن هذا التوصيف الرسمي يحمل بعدا قانونيا وسوسيولوجيا يقوله الإسرائيليون علنا
وهو الاعتراف الفلسطيني المسبق بيهودية دولة فلسطين كشرط للتفاوض حول الدولة الفلسطينية الأمر الذي يعني إسقاط حق العودة ويعرض مستقبل مليون من «عرب إسرائيل» لتكريس وضعهم القانوني كمواطنين درجة ثانية أو ربما ليكونوا عرضة لمبدأ التبادل السكاني الذي يتحدث عنه الوزير افيغدور ليبرمان بشكل مستمر،
وهذا دون شك ينسف عملية المفاوضات من أساسها كما ينسف كافة المرجعيات الدولية للمفاوضات والمرجعية العربية، الممثلة بمبادرة السلام العربية من أساسها أيضا، انه عمليا بمثابة الشرط اللاغي للتفاوض الفعلي والحقيقي.
جملة من الأسباب تكونت وتبلورت في السنوات الأخيرة في إسرائيل كما يلاحظ أي مراقب للسياسات الإسرائيلية بشأن مستقبل «عرب إسرائيل». وقد صدرت العام الماضي عدة وثائق دراسية تتعلق «بالرؤية المستقبلية للفلسطينيين في إسرائيل»
تتحدث عن خيارات مختلفة أمام صياغة علاقات بين الدولة من جهة و«مجتمعها الفلسطيني» من جهة أخرى، من هذه الخيارات إقامة ديمقراطية توافقية حسب النموذج اللبناني أو دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية ثنائية اللغة.
وهذه خيارات نظرية بالنسبة لأكثرية إسرائيل تم عرضها كما يقول أكثر من مراقب إسرائيلي للتأكيد على مخاطرها ورفضها من جهة وللتأكيد على ضرورة حسم مسألة يهودية الدولة من جهة أخرى في لحظة قد لا تعود ثانية وهي لحظة «المقايضة التاريخية مع الفلسطينيين» ضمن مفهوم الدولتين القوميتين.
يعزز هذا الاتجاه عوامل عديدة استقرت في المجتمع الإسرائيلي منها «التأثيرات السلبية» للانتفاضتين الأولى والثانية على «نظرة اليهودي إلى العربي» في إسرائيل والى اعتبار أن الانتفاضتين وكذلك حرب لبنان الصيف الماضي قد أدت إلى مزيد من تعميق الهوية الفلسطينية عند عرب إسرائيل وانه أيضاً،
في ظل الاحياء الديني وانتشار التيارات الإسلاموية الراديكالية فان عرب إسرائيل صاروا يشكلون «مزيدا من الخطر» على الدولة الإسرائيلية وفي ظل «المخاوف الديمغرافية» صارا «عرب إسرائيل» بمثابة قنبلة موقوتة يجب التخلص منها ونزع فتيلها قبل أن تنفجر في المجتمع الإسرائيلي ككل.
هذا المنطق العنصري المنتشر في إسرائيل تعززه دون شك أوضاع دولية مواتية وتدفع باتجاه محاولة تحويله من مخاوف إلى سياسة تفاوضية إلى أمر واقع. هذه هي باختصار خلفية الشرط الثاني الذي أخرجه أولمرت عشية أنابوليس ليقدمه كتسوية تاريخية للمسألة الفلسطينية.
إذا قلنا إن المكتوب يقرأ من عنوانه يمكن عند ذلك الاستنتاج إلى أين نحن نسير في رحلة ما بعد أنابوليس أيا كانت الوعود التي ستقطع أو ستقدم في ذلك اللقاء. مفارقة أخيرة لابد من التوقف عندها وهي انه في حين يضغط المجتمع الدولي من اجل دمقرطة المجتمع الفلسطيني والديمقراطية تبقى دون شك مطلبا فلسطينيا ضروريا،
كشرط لإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المعادية للعنصرية في منظومة قيمها الثقافية والسياسية وفي دستورها ومؤسساتها، وهذا نكرر شيئا ضروريا ومطلوبا ولو أن البعض يطرحه ككلمة حق يراد بها باطل، مقابل هذا الشرط يبدو أن المجتمع الدولي «أو الفاعلين» في ذلك المجتمع راضون كل الرضا
بل داعمون في صمت وخجل حينا وبصوت خافت أحيانا ووقاحة زائدة في بعض الحالات، تكريس إسرائيل كدولة عنصرية إلى جانب الدولة الفلسطينية. هذه باختصار هي إحدى المفارقات المحزنة من جهة والمثيرة للغضب من جهة أخرى التي تواجهنا في بداية رحلة أنابوليس.
كاتب لبناني