تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول الملف النووي الإيراني، بدا في ضوء خلاصته والردود المختلفة عليه؛ وكأنه يوفر وقفة لالتقاط الأنفاس. الاجتماع الذي كان مقرراً انعقاده في 19 الجاري لمناقشة العقوبات على إيران، قد تمّ تأجيله. الاتحاد الأوروبي، من خلال كبير دبلوماسييه خافيير سولانا، يزمع عقد لقاء مع الجانب الإيراني قبل رفع تقريره حول هذا الملف، مع نهاية نوفمبر الجاري.
موسكو تقول إنها ستوفر لأخصائيي الوكالة كل ما يحتاجونه لتفتيش الوقود النووي المتجه إلى محطة بوشهر. مسؤول بريطاني اعترف بوجود «ايجابيات» في تقرير البرادعي. حتى الطرفان الأساسيان في الموضوع كان ردهما غير بعيد عن هذه الأجواء. طهران رأت، في ما احتواه التقرير، «تقدماً جوهرياً». واشنطن رأت انه «غير كاف».
على الأقل لم تجد فيه ما يحملها على رفضه. وكأنها أقرت بوجود ما يشجع فيه؛ ولو مع التحفظ. على هذه الخلفية، تقول مصادر أوروبية، إن المحادثات مع الأطراف المعنية ستتواصل في الأيام القليلة المقبلة؛ «لوضع إطار جديد للمفاوضات مع إيران».
إطار حرصت هذه الجهات على وضعه خارج خيار العقوبات الاقتصادية الكاملة؛ التي لا مجلس الأمن ولا ألمانيا تريد فرضها على طهران. من جانبها ردّت هذه الأخيرة باشارات تصبّ في تعزيز هذه الأجواء، من خلال إعلانها بأنها قد تتعاون «بشكل أفضل» إذا سحب الملف من مجلس الأمن وأعيد إلى عهدة وكالة الطاقة الذرية.
في مجملها تتقاطع هذه الردود والتقييمات، فضلاً عن محتوى التقرير، عندما يمكن تسميته فرملة أو تبريد النووي الإيراني. على الأقل في الوقت الراهن.. ولفترة قادمة؛ حتى لو كانت وجيزة.
كل جهة معنية في هذا الموضوع وجدت في التقرير ما تتكئ عليه؛ إما للمطالبة بالمزيد وإما لإعطاء فرصة أخرى. مثل هذا المناخ قد يأخذ شحنة أخرى من التبريد بعد صدور تقرير الاتحاد الأوروبي؛ في حال جاء هو الآخر قريباً من تقييم وكالة الطاقة.
والمعروف أن الموقف الأوروبي تسوده خلافات حول موضوع العقوبات. فهذه الأخيرة كان من المقرر أن يصوت عليها مجلس الأمن في سبتمبر الماضي. جرى تأجيل البت بشأنها، في ضوء اتفاق إيران والوكالة،
على تزويد الأخيرة بأجوبة على أسئلتها التي سبق ووجهتها إلى طهران حول جوانب غامضة، أثارت الشكوك؛ في مشروعها النووي. كما ساهم الاعتراض الروسي والصيني في تأجيل التصويت على عقوبات جديدة.
إجابات إيران وصفتها الوكالة بأنها جاءت في إطار «تجاوبي أكثر منه ديناميكي» لكنها لم تنكر تعاون طهران في هذا الخصوص. ومن هنا كان الإقرار بإحراز تقدم، وصفته مصادر الأمم المتحدة بأنه من العيار الهام و«الجوهري».
وبالتالي هو من النوع الذي يمكن البناء عليه وتطويره. وهنا تكمن الفسحة القابلة للتوسيع؛ التي يفترض أن تتلاقى عندها مصالح كافة الأطراف التي شغلها هذا الملف. تقرير وكالة الطاقة لم يحمل ما يلبي رغبات ومطالب كل المعنيين بالنووي الإيراني.
لكن حمل ما يشكل أرضية مشتركة للانطلاق منها. لغة التصعيد في الآونة الأخيرة بدأت تفوح منها روائح الحرب والمواجهة والآن ثمة فرصة للخروج من هذه الدائرة. فما بين الاعتراف بحصول «تقدم» والقول بأن ذلك «لا يكفي» توجد إمكانية لجسر الفجوة. اللهم إذا سلمت النوايا.
