نكمل اليوم بقية الأقوال المأثورة التي بدأناها بالأمس لكننا اليوم لا نستعيرها من البريد الإلكتروني أو كتاب الحكم والأمثال، اليوم يتحول القراء إلى حكماء لدى كل واحد منهم رأي أبداه أو تطوع به رداً على مقال أو عمود يناقش همومه وشجونه وهواجسه، وأرى في كل رد كثيرا من العمق والحكمة التي يخلقها ذلك التماهي مع قضية ما أو هم ما، فالحكمة والقول المأثور لا يأتيان من الفراغ، إنهما مخاض إحساس عميق بما يحدث لنا وحولنا، تترجمه كلمات عميقة تذهب عميقاً كما تذهب بعيداً.
الحل الأقرب والعملي لكارثة التركيبة السكانية لا يكمن في أن تتحول نسبة المواطنين في الإمارات بالضرورة إلى 70% من مجموع السكان، وإنما في أن لا يكون عدد أي جالية في البلد فوق عدد المواطنين، شرط أن يكون هذا الحل مرحلياً وليس حلاً نهائياً.
المواطنة انتماء لهذا التراب، ليس على الطريقة الرومانسية، وإنما بالقيام بما يجب تجاه الوطن بالتوازي مع ما تقوم به الدولة تجاه مواطنيها.
الاتكالية، والسلبية، والأنانية، وعدم تحمل المسؤولية المجتمعية هي سلبيات في شخصية الفرد المواطن، يجب العمل على تغييرها، كما أن على الدولة واجب القيام بأدوار حقيقية وليست شكلية في تعزيز المواطنة، وإعطائها الأولوية ضمن السياسات العامة، بدل المسارعة باتجاه الكثير من الإجراءات التي تفاقم خلل التركيبة السكانية. كما تفاقم أزمة الانتماء للوطن وثقافته لدى الأجيال الحالية.
رب العالمين قال لنا «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» هذه حكمة الله في الأرض، لكن ذلك لا يعني أبداً أن نفتح بلادنا على مصراعيها على كل الشعوب والثقافات، كي تدخل وتطغى بثقافتها على ثقافة أهل البلاد، فتنسيهم أصلهم وحقهم. الأجيال الجديدة في الإمارات تعرف عن الأميركان والإنجليز والهنود، عن لغتهم وثقافتهم وبلادهم أكثر مما تعرفه عن بلدها وأهلها وثقافتها!! والبركة في التعليم والإعلام وانسحاب الأسرة من دورها وغياب الدولة بأهم أدواتها.
ماذا لو تأخرت الاستجابة الرسمية لوزيرة الاقتصاد، واستمرت ظاهرة الغلاء وجشع التجار؟ هل سنستمر في عاداتنا الاستهلاكية أم نحاول أن نغيرها؟ وماذا لو تأخرت استجابة وزارة التربية، هل سنستمر في الاعتماد على الخدم والاستسلام لمنطق تعليم الغد ونعطل قدراتنا التربوية وردات فعلنا اللازمة؟ وماذا لو تأخرت استجابة المجلس الوطني للقضايا الوطنية العاجلة، هل سنستمر في التعاطي نفسه مع الأمور؟
ترى لو أصاب هذا الوطن الغالي ـ لا سمح الله ـ أي مكروه، فمن سيدافع عنه، ويبقى فيه، ويتشبث بترابه، الأجانب وأصحاب المليارات، أم المواطن المخلص البسيط المهمش؟
في واحدة من إمارات الدولة، يوجد مجلس للتوطين وهو جهة حكومية محلية لتوطين الوظائف، لكن للأسف حتى في هذا المجلس تجد أن عدد الموظفين الوافدين أكثر من المواطنين، شيء غريب، ألا يوجد لدينا كفاءات وطنية؟ فأين حملة الدكتوراه والماجستير الذين نحتفل بهم سنوياً؟ كيف يسمى مجلس للتوطين إذا لم يستطع أن يوطن وظائفه ابتداء؟!
أخيراً، كل ما ذكر سابقاً من كتابات ورسائل القراء، هذه هي آراؤهم وهذه كلماتهم ولا بد أن تصل بعيداً كما يجب أن تصل عميقاً.
