بداية هناك شبه اتفاق عام بين الشعوب على رفض سياسة الانقلابات العسكرية وسيلة للوصول إلى السلطة بدعوى تصحيح أوضاع مختلة وتقويم المسار، فالطريقة الأسلم والأفضل للوصول إلى السلطة تكون عبر صناديق الانتخابات لا غير.

ومنذ استقلالها عن بريطانيا عام 1947 تعرضت باكستان لعدة انقلابات عسكرية عطلت طريقها. الديمقراطي ووقفت عثرة أمام حل الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية. وكان الجنرال أيوب خان أول من قفز من معسكرات الجيش وثكناته إلى كرسي الرئاسة وبعده كان ضياء الحق وصولا إلى الجنرال برويز مشرف حاليا.

وتشهد البلاد هذه الأيام حالة من الغليان أشبه بالمرجل لا يعلم نتائجها إلا الله وتعصف بكل أنحاء باكستان وتضعها على شفير الهاوية، ولعل شرارة بداية القلاقل والاضطرابات الحالية قد انطلقت في أعقاب أقدام الجنرال مشرف على ترشحه لرئاسة الدولة وعزل رئيس المحكمة العليا القاضي افتخار شودري واقتحام المسجد الأحمر الذي سقط خلالها عشرات الضحايا وفرض حالة الطوارئ. واعتقال عشرات المحامين والسياسيين. وقمع المتظاهرين بالقوة.

ومن المناظر التي تشمئز لها الأبدان وتثير الغضب. مناظر هراوات رجال الشرطة وهي تنهال بالضرب المبرح على المتظاهرين من أطفال ونساء وشيوخ ولم توفر حتى القضاة والمحامين. حيث لم تشفع لهم أروابهم السوداء ولم تحمهم من عصي الشرطة وقبضاتهم التي أرسلوها غليظة وقاسية على رؤوسهم..

هذا فيما امتلأت السجون بآلاف المعتقلين وعلى رأسهم قادة الأحزاب السياسية ومنهم بنازير بوتو زعيمة حزب الشعب حيث تعرض موكبها أثناء عودتها إلى البلاد بعد عدة سنوات قضتها في الخارج لعملية تفجير راح ضحيتها عشرات القتلى، ولم يعرف بعد من الجاني كما فرضت عليها الإقامة الجبرية في منزلها بعد محاولتها النزول إلى الشارع لقيادة المظاهرات ضد استمرار مشرف في قيادة الجيش وفرضه الأحكام العرفية.

وشملت حملة الاعتقالات مؤخرا لاعب الكريكت السابق عمران خان خلال ذهابه إلى جامعة لاهور لقيادة مظاهرات واحتجاجات الطلبة ضد مشرف، وقبلها لم تسمح السلطات الباكستانية لرئيس الوزراء السابق نواز شريف بالخروج من طائرته عندما عاد إلى البلاد من منفاه الإجباري وأرغمته على العودة إلى السعودية حيث يقيم هناك.

هذا غيض من فيض كما يقولون ويشعر الباكستانيون انه قد طفح الكيل وان النظام الحاكم في باكستان قد نصب العداء لكل الشعب فالوضع وصل إلى حد القطيعة حيث توقفت كل المفاوضات التي كانت تجريها بعض الأحزاب السياسية مع مشرف للخروج بالبلاد من أزمتها الحالكة.

ما أشبه الليلة بالبارحة، فقادة الانقلابات العسكرية سواء في باكستان او غيرها تتشابه أساليبهم وأعمالهم فلو عدنا إلى الوراء قليلا خلال فترة حكم الجنرال ضياء الحق الذي قاد انقلابا عسكريا أطاح بحكومة رئيس الوزراء الراحل ذو الفقار علي بوتو في يوليو 1977 نجده قد برر انقلابه آنذاك بأنه لإنقاذ البلاد من الفوضى وخلافات الأحزاب السياسية وتحقيق الرفاه للشعب.

لكنه لم يف بهذه الوعود وانقض على الدستور وعطله وفرض الأحكام العرفية واعدم ذو الفقار علي بوتو. في ابريل 1979 وقام بتفصيل دستور جديد يمنحه صلاحيات واسعة كرئيس للبلاد وكانت النتيجة ان دفع حياته ثمنا لمعاداته للديمقراطية وللشعب الباكستاني قبل نهاية التسعينات.

واليوم يمارس مشرف أعمالاً وأفعالا شبيهة إلى حد كبير بما قام بها ضياء الحق فقد انتخب لولاية ثانية في أكتوبر الماضي بوعد منه بالتخلي عن بزته العسكرية وقيادة الجيش في نهاية هذا الشهر وهذا ما يلقى معارضة واسعة في الشارع الباكستاني وصفوف الأحزاب المعارضة والتي التفت كلها ضده في جبهة عريضة بقيادة بنازير بوتو للإطاحة به.

أما مشرف نفسه فانه ما زال يصم أذنيه أمام مطالب المعارضة بالرحيل ومن المفترض ان يعلن خلال أيام عن قيام حكومة مؤقتة تتولى التحضير للانتخابات البرلمانية في التاسع من يناير القادم حيث انتهت قبل يومين ولاية البرلمان الحالي. واليوم تقف باكستان أمام مفترق طرق وخيارات مفتوحة ومجهولة..

اذ ربما يقوم الجيش بتدبير انقلاب آخر يطيح بمشرف او يتم إقناع مشرف بالتخلي عن السلطة طوعيا.. او إجبار مشرف والمعارضة تحت ضغط أميركي للوصول إلى تسوية ما واقتسام السلطة.. خصوصا وان جون نغروبونتي مساعد وزير الخارجية الأميركية يسعى خلال زيارته لاسلام أباد بتبريد الأزمة وحل الصراع على السلطة فهل يستجيب له الإخوة الأعداء المتنازعون على كرسي الحكم؟

musaabueid@hotmail.com