تنتقل الليبرالية الغربية إلى مرحلة جديدة مما يستلزم معه أدوات جديدة وبناء أفكار تعتمد عليها في المرحلة المقبلة، فمن المعروف أن الليبرالية لا تضع في اعتباراتها الدستورية أي مكان للدين والموروث الاجتماعي، ولا تقبل بحال أن تكون القيم الدينية قيدًا دستوريًا على نهجها ومقاصدها».

ومن قريب طالب بابا الفاتيكان المجلس الأوروبي أن يعطي للدين مكانًا في صياغة دستوره المرتقب لأوروبا.. فرفض المجلس الأوروبي طلبه بالإجماع.. لذا فإن الأصوليين الليبراليين يرتجفون عندما يقال لهم «بعدم المساس بالثوابت الدينية والاجتماعية وأنها ينبغي أن تكون مصدرًا أساسًا في الدساتير».

ورغم ذلك تروج في مجتمعاتنا الإسلامية مقولات إن الليبرالية تحافظ على الثوابت والقيم الدينية والاجتماعية التي شرعها ودسترها الأفراد في عقد اجتماعي ودستور.! فالليبرالية منذ ولادتها في مجتمع أثينا القديمة.. اعتبرها أهلها الفجر الذي أزاح من حياتهم ظلمات الدين والتقاليد الاجتماعية للنبلاء وغيرهم.

وإذا كان تعريف الليبرالية اللغوي اشتق من كلمة «ليبر» وأصلها لاتيني وتعني «اللارهبان»، وهي كمذهب أو حركة وعي اجتماعي سياسي داخل المجتمع، تهدف لتحرير الإنسان كفرد وكجماعة من القيود السلطوية الثلاثة (السياسية والاقتصادية والثقافية)، والليبرالية بمعناها الشامل.. هي فلسفة كاملة لها نظرتها الخاصة تجاه الإنسان والكون والحياة كانت لها أدواتها في المرحلة السابقة.

ولنرى آخر أدوات الليبرالية الجديدة والتي ستتغلغل بها إلى العالم الذي يجري بناؤه الآن ففي الشهر الماضي صوت برلمان المجلس الأوروبي في مدينة ستراسبورج الفرنسية على رفض نظرية الخلق «الخالق الواحد»، وذلك بأغلبية 47 برلمانياً، ضد 25 صوتاً، وطالب البرلمانيون برفع نظرية الخلق من مناهج العلوم والتدريس بالمدارس لتعارضها من وجهة نظرهم مع «حقوق الإنسان،والحقوق العلمية للمخترعين والمكتشفين «حيث ترجع نظرية الخلق كل العلوم إلى الله وحده لأنه الأساس فيما يتم كشفه في الخليقة والعالم على مر الزمان.

وقال البرلمانيون لدول المجلس الأوروبي الذي يضم في عضويته 27 دولة من أكثر الدول تقدما « إنه يوجد تعارض علمي مع نظرية الخلق، حيث تنفي نظرية الخلق تطور الأنواع في الحياة والبيئة من خلال الانتقاء أو الارتقاء الطبيعي، وإن لم تكن الدول حذرة في التعامل مع نظرية الخلق، فسيكون هناك خطر على حقوق الإنسان وحقوق العلماء».

وقال وزير التعليم السويدي السابق الذي قام بعرض التقرير الرافض لنظرية الخلق «إنها ليست مسألة تعارض الإيمان مع العلم، ولكن من الضروري منع معارضة الإيمان للعلم الحديث، فعلى العلماء أن يضمنوا حقوقهم في المناهج العلمية، وفى العلوم الحديثة».

وقال البرلمانيون أيضا «إن هناك خطراً كبيراً في الخلط بين الخلق والتطور العلمي، فنظرية التطور، مبنية على حقائق علمية، وتستند العلوم الحديثة على التصميم الذكي، وعلى النهج العلمي»، مشيرين إلى أن «نظرية الخلق كادت لفترة طويلة أن تكون ظاهرة أميركية بصورة حصرية، واتجهت تلك النظرية إلى أوروبا، وانتشارها يؤثر على عدد كبير من الدول الأعضاء في مجلس أوروبا ويهدد حقوق الإنسان وحقوق العلماء حسب تعبير بيان البرلمانيين.

وبدأت نظرية «الخالق الواحد» تجد رواجا في المناهج الدراسية في كل من بلجيكا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، إيطاليا، هولندا، بولندا، روسيا، صربيا، إسبانيا، السويد، سويسرا، تركيا والمملكة المتحدة».

يذكر أن لجنة العلوم والثقافة بالمجلس الأوروبي هي التي وضعت هذا التقرير منذ سبتمبر الماضي وهو تقرير يجعل العلماء شركاء للخالق الواحد - جل وعلا - فيما يبتكرونه ويخترعونه من علوم، ولا يردون ذلك إلى الوحي الإلهي الذي علم الإنسان مالم يعلم، بل يردون العلوم الحديثة إلى العلماء وعقولهم على أساس علمي بحت من التجارب والخبرات.

شيء محزن حقا أن أصبحت حقوق الإنسان غطاء للجهالة، كما غدت في حالات كثيرة ستارا للظلم فقد ادعى مجلس البرلمان الأوروبي: أن القول بوحدانية الخالق يتعارض مع حقوق الإنسان في الاكتشاف والإبداع، وكأن الإبداع لا يكون إلا في ظل مفاهيم تعدد الآلهة والأرباب، نحن مع حرية العلم بلا نهاية، ولكنا في الوقت نفسه ضد استغلال هذه الحرية في الترويج للجاهلية الجديدة.

mrashid@albayan.ae