قال الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي أثناء زيارته الرسمية إلى واشنطن مؤخرا الكثير عن الولايات المتحدة «الصديقة» وعن العلاقات الحميمة بين البلدين. الحميمة و«العميقة» كما ترمز الصورتان اللتان كانتا معلقتين على جدران الكونغرس الأميركي عندما ألقى الرئيس ساركوزي خطابه أمام أكثر من 500 برلماني أميركي.
إنهما صورتا جورج واشنطن، بطل استقلال الولايات المتحدة وأول رئيس لها، والمركيز الفرنسي لافاييت الذي ساهم بنشاط في حرب الاستقلال تلك. الرسالة واضحة هي أنه هناك «تاريخ مشترك».
وقال الرئيس ساركوزي للبرلمانيين الأميركيين والرئيس بوش والرأي العام الأميركي والعالم انه يريد تعميق الصداقة الفرنسية ـ الأميركية، باختصار أعلن عن «هواه» الأميركي.
وفيما يشبه الاعتذار عن الموقف الذي اتخذته بلاده أثناء أزمة وحرب العراق في ربيع عام 2003 قال: «يمكن الاختلاف مع الأصدقاء والتباين في الرأي بل والتخاصم. لكن في الملمّات وأمام الامتحانات العسيرة يكون المرء مع أصدقائه وإلى جانبهم لدعمهم ومساعدتهم».
وذكّر في هذا السياق ب«الدين الأبدي» الذي بذمّة فرنسا للولايات المتحدة عندما «أرسلت أبناءها» للنزول على شواطئ النورماندي للمساهمة في تحريرها من الاحتلال النازي، أثناء الحرب العالمية الثانية. وأضاف «في كل مرّة يسقط فيها جندي أميركي في العالم، أفكّر بما فعله الجيش الأميركي لفرنسا». العراق، دون تسميته، كان ماثلا بوضوح في خلفية هذا القول.
ولم ينس ساركوزي أن يشير، أمام البرلمانيين الأميركيين، إلى بعض «عمالقة» أميركا الذين طالما أثاروا إعجابه من أمثال الفس برسلي وجون واين ومارلين مونرو.
وقد كرر الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي ثلاث مرات أثناء زيارته الرسمية للولايات المتحدة قوله: «يمكن للمرء أن يكون صديقا لأميركا ويفوز في الانتخابات بفرنسا. هذا ليس معجزة وإنما حقيقة واقعة».
لا أحد يشك ب«إخلاص» الرئيس ساركوزي حيال أميركا. وأيضاً لا أحد يشك ب«إخلاصه» في توجهه الأطلسي، كما أكّد بصور مختلفة. وإذا كان منسجما في الواقع مع مسيرته السياسية كلها وكمرشح وكرئيس مع قناعاته الشخصية التي أعلن التزامه بها، فإن سياسة الاقتراب من النزعة الأطلسية ستكون «شائكة»، هذا لاسيما مع وجود تيار.
بل «مناخ عام» لدى نخبة من المثقفين الفرنسيين ينضوون تحت لافتة «مناهضة النزعة الأطلسية» ولا يقتصرون على معسكر اليسار ودوافعه الإيديولوجية. بل بينهم ليبراليون مشهورون من أمثال إيمانويل تود مؤلف كتاب «بعد الإمبراطورية» ويقصد الإمبراطورية الأميركية.
ما يبدو واضحا هو أن الموقف الفرنسي من الحرب الإنجليزية ـ الأميركية في العراق خلق فجوة حقيقية بين إدارة جورج دبليو بوش والرأي العام الفرنسي والأوروبي «الغربي» الذي تبنّى نفس النهج عامة. وساهمت في زيادة الهوة التصريحات «المهينة» التي أطلقها العديد من رجالات الإدارة الأميركية حيال أوروبا «المعارضة للحرب» ووصفها.
كما جاء على لسان دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي السابق والمهندس الرئيسي للحرب ضد العراق، ب«أوروبا العجوز»، أو التفريق بين «أوروبا القديمة» المناهضة لاستخدام القوة، و«أوروبا الجديدة» المؤيدة له.
ورغم «المصالحة» خاصة مع بداية ولاية جورج بوش الرئاسية الثانية، فقد بقي الرئيس الأميركي «بعيدا» عن قلوب الفرنسيين. لكن لا بد من القول هنا ان النخبة المثقفة الفرنسية لم تكن بأغلبيتها «أطلسية الهوى» قبل بوش، ولا شيء يسمح بالقول انها سوف تغيّر رأيها بعد «رحيله» عن البيت الأبيض في أفق انتخابات خريف عام 2008.
وتكفي نظرة سريعة على المشهد الثقافي الفرنسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لمعرفة أن كبار مثقفي فرنسا كانوا ـ ربما باستثناء مهم مثّله ريمون آرون، منظّر اللبرالية الشهير ـ ناقدين ل«الموديل» القائم في الناحية الأخرى من الأطلسي. وأصبح «الأميركي» مرادف ل«الجاهل» البعيد عن أية ثقافة سوى ثقافة الاستهلاك السريع و«المكدونالد».
هذه الصورة السلبية تجذرت وتعممت وطغت على كل ما عداها. إلى درجة أنها حجبت بعض ملامح الواقع المتغير، إذ تدل دراسات عديدة من بينها كتاب لمؤلف فرنسي صدر مؤخرا تحت عنوان «عن الثقافة في أميركا» وهو غني بالإحصائيات التي تدل على أن ميزانيات الثقافة هناك تبلغ أضعاف ما تعرفه فرنسا نفسها.
ليس المقصود هنا الدفاع عن الثقافة الأميركية المهيمنة وإنما التأكيد على أن الأحكام المسبقة تمنع وضوح الرؤية، فما هو السر الكامن وراء «عداء» شريحة مهمة من النخبة الثقافية الفرنسية ل«النزعة الأطلسية» ب«نسختها الأميركية»؟ وهل إذا غيّرت أميركا مواقفها وسياساتها سوف تغير النخبة المعنية رؤيتها لها؟
الإجابة التي يمكن تصورها، بناء على قراءة المواقف «التاريخية» للمثقفين الفرنسيين، هي «كلا». وأستعين هنا بما كتبه المفكر الأميركي «الفن توفلر» الذي قدّم مع زوجته «هايدي» حوالي 30 كتابا حول استقراء المستقبل من أوائلها «صدمة المستقبل» الذي جرت ترجمته إلى العديد من اللغات العالمية ـ ولكن ليس العربية بالطبع ـ وآخر كتاب «الثروة الثورية» ـ يقصد «المعرفة» ـ والذي يقول فيه ما مفاده أن «الملايين في العالم يكرهون أميركا بسبب مواقفها في العراق أو رفضها توقيع اتفاقيات دولية ـ حول البيئة وغيرها ـ ونزعتها الإمبريالية».
ويضيف: «لكنهم سيظلّون يكرهونها ولو حلّ السلام في الشرق الأوسط وغيره ووقعت كل ما يطلب منها وتخلّت عن أية نزعة للهيمنة».
والمثقفون الفرنسيون يخشون من «هيمنة» أميركا ويرون بها خطرا على «استقلالهم الوطني». إن الحرص على هذا الاستقلال وجد ترجمته في قرار الجنرال ديغول سحب بلاده من البنى العسكرية للأطلسي. ووجد ترجمته في الموقف الفرنسي من حرب العراق. ولم يكن الديغوليون وحدهم في معسكر «الحرص» على الاستقلال ومناوءة «التبعية» الأميركية.
وتؤكد النخبة الثقافية، وإلى حد كبير السياسية هذه المرة، على ضرورة أن تدافع فرنسا عن مصالحها في العالم، في الشرق الأوسط وغيره. والمعادلة المطروحة هي أنه لفرنسا وأوروبا وأميركا مصالح تجعلها في حالة تنافس فيما بينها. مثل هذا الواقع يدعو «منطقيا» إلى «التباعد» وليس إلى «التقارب» بين أصحاب المصالح.
في إطار هذا كله، لا شك أن الرئيس الفرنسي ساركوزي يريد أن يجعل من فرنسا، مع أوروبا أو بواسطة أوروبا، أحد أقطاب صناعة القرار في شؤون العالم وهو يتطلع إلى أن يكون «شريكا» مع الولايات المتحدة لبلوغ هدفه. لكن المهمة لن تكون سهلة لا في هذه الجهة من الأطلسي، ولا في الجهة الأخرى.
باريس