الوضع الفلسطيني هذه الأيام يدعو للأسى بكل المقاييس، ويوماً بعد يوم، وفي الوقت الذي تزداد حياة الفلسطينيين مأساوية يزداد التدهور في الخطاب والممارسة.

فقد تحولت مناسبة إحياء الجماهير الفلسطينية لذكرى استشهاد رئيسها المنتخب، ياسر عرفات، إلى أداة لتراشق الاتهامات والمزايدات الكلامية والاعتقالات المضادة، حتى قبل أن تجف دماء الشهداء الذين سقطوا، وكأنه كتب على قيادة الشعب الفلسطيني دوما أن تأكل الطعم.

كان مشهد الحشد الهائل والذي قدر ب500 ألف شخص في شوارع غزة بمعزل عن الطرف الفلسطيني الذي تمت تلبية دعوته، تأكيدا على تمسك الشعب الفلسطيني بنضاله ورموزه الوطنية، وإشارة إلى أن جذوة المقاومة لديه ما زالت مشتعلة، وما زال حس الانتفاضة على الرغم من تراجعه ووهنه يحتفظ بجمرات تحت الرماد.

وهذه التظاهرة كان من المفترض أن لا تثير إلا مخاوف الأطراف المعادية لحقوق هذا الشعب، خصوصا وان توقعات انطلاق انتفاضة جديدة في حال عدم وصول مفاوضات أنابوليس إلى شيء ذي قيمة للشعب الفلسطيني وارد، وهذا بالواقع ما تتناقله كل الكتابات والمقالات المنشورة حول احتمالات نتائج الاجتماع وخروجه في ابعد تقدير بإعلان مبادئ لاستئناف المفاوضات لاحقا، بل حتى أن بعضها يحذر من تحول الاجتماع إلى محاولة إسرائيلية لإعلان التطبيع مع الدول العربية.

وفي الوقت الذي تصعد إسرائيل مطالبها بفرض مرجعيات جديدة على طاولة المباحثات بمطالبة الفلسطينيين الموافقة على سلام صهيوني والقبول بمفهوم «إسرائيل دولة لليهود» كشرط للتفاوض، وهو الهدف المركزي للحركة الصهيونية العالمية أصلا، نجد هناك بين القيادة الفلسطينية من يعد بالسلام.

والاعتراف بإسرائيل «دولة لليهود» لا يتضمن فقط شطب عودة اللاجئين والتفريط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، بل قد يعني أيضا في المقابل اعترافا بأن لليهود حقا تاريخيا في فلسطين، وإدانة لنضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني على مدى تاريخه وتخلي عن شهداء القضية الفلسطينية وربما قد يستخدمها الإسرائيليون أيضا في تثبيت حقهم في «إخراج» فلسطينيي 1948 من أرضهم.

كما ان مفهوم «دولة لليهود» هو في أصله مناف لحقوق الإنسان وكل الشرائع الدولية لكونه يتضمن ضمنا عدم المساواة والعنصرية وحق التطهير العرقي، ومع رفض إسرائيل مناقشة قضايا الاستيطان والحدود والجداول الزمنية يمثل صكا على بياض للسيطرة على المزيد من الأراضي طالما أن حدود إسرائيل غير معروفة وتتوسع مع مستعمراتها مما يعني ابتلاع الضفة الغربية وكامل فلسطين، والمطلوب فقط المدى الزمني الضروري لهذا المشروع المتمثل بجمع معظم يهود العالم في فلسطين.

انه المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي في المنطقة والذي لا يرى إلا الترانسفير أو تسريع الاستيطان حله الوحيد في البقاء. وهو في خلال تأديته لهذه المهمة قد يترك للقيادة الفلسطينية حكم سكان هذه الأرض المنهوبة أراضيهم وممتلكاتهم واستغلال قواهم العاملة لتشغيل المصانع، أي ابارتهايد بكل المعايير أو كما وصفها عرفات نفسه بانتوستانات.

والحال انه عندما توجه عرفات إلى خيار المؤتمرات الدولية بعد انسداد الخيارات أمامه، كثيرون ممن كانت تساورهم الشكوك من نتائجها قالوا: لنرى ما سيحققه ربما قد يفلح في إقامة دولة فلسطينية في نهاية المطاف!

وعندما انتهت المفاوضات بطريق مسدود بعد جملة كبيرة من التنازلات والخسائر للطرف الفلسطيني، كانت الأوضاع تتجه نحو تصفية هذه القيادة التي رفضت التخلي عن آخر الثوابت الأساسية.

كان صعود شارون إلى السلطة عنوانا لإنهاء عرفات نفسه وكان الجميع يتوقع خروجه من الضفة بعد حين لكنه تمسك بإقامته في معسكره إلى أن سمم واستشهد. وفي تلك الإثناء كانت الدبابات الإسرائيلية قد قضت على كل ما تبقى من هياكل السلطة الفلسطينية بشكل منظم وكانت الإدارة الأميركية تشد من أزر شارون واصفة إياه برجل السلام. كانت النهاية قد ارتسمت معالمها وأعلن عرفات أمام أجهزة الكاميرا وعلى ضوء الشموع استعداده للشهادة.

اليوم حين يسمع الشعب الفلسطيني والعربي عن مؤتمر جديد للسلام فهل يمكن محو كل ما حصل؟ وماذا تبقى من رحمة ومن مشروعية إلا سلاح القوة في هذا الجانب من العالم طالما بقيت العقلية العنصرية والانعزال والازدراء مترسخة في هذا الكيان القاتل؟

يقول بيير منديس فرانس القائد السياسي الفرنسي اليهودي أن اليهود لن ينعموا في الأمن والاستقرار في هذه المنطقة إذا لم يرض عنهم سكانها. فهل سيقرون يوما بما اقترفوه أم أن هذا من رابع المستحيلات، وعلينا انتظار ان تتغير موازين القوى الدولية والإقليمية والعربية ويعود للسياسة بعض من خطابها وفعلها الإنساني والأخلاقي.