نشرت الصحافة الأميركية تصريحات لوزير النفط العراقي حسين شهرستاني أعلن فيها أن الحكومة العراقية تعتبر عقود شركة لوك أويل الروسية والخاصة باستثمار حقول قرنة الغربية ـ 2 لاغية، وان العراق ينوي طرحها في مناقصة عالمية العام القادم.
ومما لاشك فيه أن ما جاء في تصريحات الوزير العراقي، قد سبق وأعلن عنه الشهرستاني في موسكو عقب لقائه مع وزير الطاقة فيكتور خريستينكو، ودعا آنذاك شركة (لوك اويل) للمشاركة في المناقصات التي تعلن عنها الحكومة العراقية لاستثمار حقول النفط العراقية، ولاكتشاف منابع نفط جديدة في العراق،على أساس اللوائح والأنظمة العراقية التي ينص عليها قانون النفط الجديد، وضمن إطار منافسة حرة مع بقية شركات النفط العالمية.
ومن المعروف أن شركة (لوك اويل) قد وقعت خلال فترة حكم صدام عقدا لاستثمار حقل قرنة الغربية. وقد وقع عقد استخراج واستثمار المرحلة الثانية لحقل «القرنة الغربية-2» في العراق مارس عام 1997 بين وزارة النفط العراقية و«لوكويل» وشركتي «زاروبيج نفط» و«ماشين امبورت» الروسيتين الأخريين وتبلغ فترة صلاحية العقد 23 سنة ويمكن أن تمدد لمدة خمس سنوات أخرى.
وتبلغ حصة «لوكويل» في المشروع 5 .52 بالمائة، والجانب العراقي 25 بالمائة، و«زاروبيج نفط» و«ماشين امبورت» 25 .11 بالمائة لكل منهما.
ويقدر احتياطي النفط في هذا الحقل بحوالي 10 مليارات طن. ومن الممكن أن يبلغ حجم النفط المستخرج خلال فترة سريان مفعول العقد 8 .4 مليارات برميل، و4 .56 مليار متر مكعب للغاز الطبيعي. وتقدر الاستثمارات الأساسية التي يجب توظيفها لدى إنجاز المشروع بحوالي 4 مليارات دولار.
وعندما أوقفت الشركة أعمال التنقيب والاستخراج في الحقل بسبب قرار الحصار الاقتصادي الذي أصدره مجلس الأمن ضد العراق، وطالبت حكومة بغداد الشركة بتنفيذ التزاماتها وفق العقد الموقع، رفضت الشركة تنفيذ أعمال استخراج النفط التزاما بقرار مجلس الأمن.
ما دفع صدام حسين لاتخاذ قرار بإلغاء العقد، إلا أن موسكو عبر مفاوضات جرت بين ايجور ايفانوف وزير الخارجية السابق وطارق عزيز أقنعت الجانب العراقي بالتراجع عن هذا القرار. وبقي هذا العقد ساري المفعول إلى أن تفجرت الحرب ضد العراق عام 2003، وتمت الإطاحة بنظام صدام.
ومنذ تولي المعارضة زمام الأمور في العراق بدأت الشركة تطالب السلطات العراقية باحترام العقود الموقعة في عهد صدام، إلا ان بغداد ـ عقب إسقاط صدام ـ حاولت بشتى الطرق التملص من كافة الاتفاقات الموقعة في عهد صدام.
وتفجرت آنذاك فضيحة الرشاوى النفطية المزعومة، والتي اتهمت فيها موسكو وعددا من السياسيين الروس والغربيين بالحصول على رشاوى نفطية من صدام لدعمه سياسيا في المحافل الدولية، إلا أن هذه التحقيقات الدولية انتهت دون أن تتوصل إلى أدلة لهذه الاتهامات، وأكدت عدم صحتها.
ومع بدء العمل على إصدار قانون النفط الجديد أكد المسؤولون العراقيون مرارا أن عقود لوك اويل في حقل قرنة الغربية قد ألغيت خلال عهد صدام، متجاهلين أسباب الخلاف بين شركة (لوك اويل) ووزارة النفط العراقية آنذاك، وقرار الحكومة بسريان مفعول العقد واتفاقية جدولة تنفيذ بنود العقد التي وقعتها (لوك اويل) مع وزارة النفط العراقية.
وأعلنت الحكومة الحالية أن السوق العراقي مفتوح أمام الشركات الروسية والشركات الأخرى وفق أحكام قانون النفط الجديد (الذي مازال موضع خلاف وجدل في العراق).
ولعل الجميع يعلم أن الشركات الروسية قد لعبت الدور الأساسي في تشييد البنية التحتية للعديد من الصناعات الاستخراجية العراقية، وبناء العديد من الصناعات العراقية في قطاع الطاقة وفي قطاعات أخرى وفق التقنيات وأنظمة الإنتاج الروسية، وان تجاهل الشركات الروسية يتطلب تغييرا كاملا للبنية التحتية في العراق ما يعني ميزانيات ضخمة لإعادة البناء.
أو الإبقاء على دور للشركات الروسية في إعادة إعمار العراق، وهو ما يبدو انه غير مطروح بشكل جدي للبحث.
ويبدو أن الحكومة العراقية الحالية تتجاهل الدور الذي لعبته روسيا ليس فقط في بناء الاقتصاد العراقي على مدار سنوات طويلة، وبصرف النظر عن من كان يحكم، لأن هذا البناء يبقى لمصلحة العراق. بل ان الشركات الروسية قدمت الكثير في فترة الحصار. ولا يمكن القول إن هذا تم بشكل مجاني أو كمعونات، وإنما مجرد الحرص على القيام بذلك في ظل التعقيدات التي يمر بها العراق.
ومساعي روسيا لتجنيب شعبه ويلات الحرب هي لم تكن مسألة تجارية، بل ان الشركات الروسية كادت أن تواجه خسائر فادحة تزيد على 8 مليارات دولار، إذ أنها بدأت في تنفيذ عقود أقرت من خلال برنامج النفط مقابل الغذاء.
إلا أن بداية العمليات العسكرية الأميركية ضد العراق، وإسقاط نظام صدام، أدى لرفع العقوبات المفروضة على العراق وإنهاء برنامج النفط مقابل الغذاء، ما هدد بأن يتم إلغاء هذه العقود أيضاً التي أصبحت سلعها جاهزة للتوريد.
وأصبح الموقف متشعبا، لأن موسكو قررت شطب أكثر من 80% من الديون العراقية، في الوقت الذي تم إيقاف عقود برنامج النفط مقابل الغذاء، بعد أن تم تجهيز شحنات السلع الروسية وفق العقود المذكورة، والتي تقدر بحوالي 8 مليارات دولار.
ويترافق هذا مع قرار الحكومة بعدم صحة عقود شركة (لوك اويل) في استثمار حقل قرنة الغربية، وهذا الوضع يثير تساؤلات جادة حول ما إذا كانت الحكومة في بغداد تتعمد الاضرار بالمصالح الروسية؟
إن تاريخ العلاقات الروسية ـ العراقية حافل بالانجازات في مسيرة بناء العراق واقتصاده، فقد جلبت هذه العلاقات الخير والفائدة للشعب العراقي، ولم تجره إلى الحرب والدمار كما يحدث الآن.
وهو ما دفع العديد من الخبراء العراقيين للإعراب عن قلقهم من دور الولايات المتحدة في العراق بعد أن فشلت بكافة المعايير في النهوض بهذا البلد، ما يعني أنها كانت تسعى إلى السيطرة على ثروات العراق النفطية.
وأشار هؤلاء الخبراء إلى أن العراق الذي يعتبر من أغنى دول العالم في مجال النفط، يعاني من أزمة خانقة في مجال الطاقة في نفس الوقت الذي بلغ حجم صادراته النفطية خلال الأعوام الثلاثة الماضية أكثر من 125 مليار دولار.
مركز دراسات الطاقة ـ روسيا