شهد العالم خلال ما يزيد على نصف قرن صراعاً حاداً بين معسكرين وحرباً باردة كادت أن تتحول إلى حروب ساخنة لكنهما استعاضا عن المواجهة الساخنة بينهما مباشرة بما لها من مخاطر نووية بحروب بين المعسكرين على أرض الغير نتيجة للصراع بين العقائد ومن ثم النظريات والسياسات لتحقيق مصالح المتصارعين كل من منظوره الخاص.
ونتج عن ذلك صراع آخر بين الأفكار لا معنى له بين ثنائيات قد تبدو بسوء الفهم متضادة لكنها بحسن القراءة قد تكون متكاملة وإحداها ليس بديلا عن الأخرى، ولهذا لا ينتهي مثل هذا الصراع بانتصار أحدهما بصورة مطلقة، بل غالبا ما ينتهي بانتصار رؤية ثالثة ليست بعيدة عن كلا الرؤيتين بل تكاملا بين جوانبهما الصحيحة والضرورية ولكن بنسب مختلفة.
ورغم أن الفكر الإنساني يفترض أن يكون إنسانيا في مصدره وفي وسيلته وفي هدفه والمفترض أيضا أن يتكامل بدلا من أن يتصارع، نتج عن الصراع بين الفلسفتين الرأسمالية والاشتراكية صراع بين معسكرين، بدأ فكريا بوضع الديمقراطية السياسية كنقيض للديمقراطية الاجتماعية، أو بوضع الحرية الاقتصادية كنقيض للعدالة الاقتصادية، أو بوضع العدالة الاجتماعية كنقيض للحرية السياسية والاقتصادية.
في حين أن الحرية حق والعدالة حق،لأن الحرية لابد أن تقابلها مسئولية تحقيق العدالة، والحقوق الفردية لابد أن يقابلها أداء الواجبات المجتمعية، وأن أحد الحقوق أو الواجبات ليس بديلا عن الآخر.
وأصل الصراع الإنساني في حقيقته نشأ عبر التاريخ بين الإنسان والإنسان، وبين الجماعات والجماعات سواء كانت قبائل أو مجتمعات حول ثلاثة محاور هى الخبز والعدالة والحرية، فكان الصراع حول السيطرة على الأرض والمياه لزراعة القمح وصناعة الخبز، بقانون القوة ومن يملك القوة يملك الأرض ويتحكم في من عليها، أي أن السلطة كانت بقانون القوة والثروة كانت أيضا بقانون القوة.
ومع الاستقرار وتكوين المجتمعات، تصارعت مجتمعات مع مجتمعات بالقوة سعيا لمزيد من الثروة فكانت الحروب وكان الاحتلال والهدف هو الأرض والمياه وما تحت الأرض وفي أعماق المياه من ثروات طبيعية.
وحينما تكونت الدول كانت المجتمعات هى الإرث الطبيعي لنتائج الصراعات الأقوى الذي يملك الثروة ويملك السلطة، وأظهر تاريخ العصور الوسطى صور نشأة النظام الإقطاعي وعبيد الأرض من الفلاحين، ثم مع الثورة الصناعية تحول جزء من الإقطاع إلى الصناعة فكان النظام الرأسمالي وعبيد الآلة من العمال وانقسمت المجتمعات إلى طبقات تصارعت فيما بينها لغياب العدالة في توزيع الثروة وفي توزيع السلطة.
وحتى عندما انتظمت علاقات القوى وتأسست القوانين ونشأت الأفكار المنادية بالعدالة في توزيع الخبز والحرية بين جميع الطبقات اتخذ بعضها أشكالا فكرية ونقابية سلمية واتخذ البعض الآخر أشكالا دموية، وحتى مع نشأة الديمقراطية منذ كانت نظاما إغريقيا وحتى الثورة الفرنسية التي تعنى بحرفية سلطة الشعب فما كان الشعب يعنى إلا الوجهاء والنبلاء من الإقطاعيين والرأسماليين.
ومع قيام الثورة البلشفية في روسيا ومع نهاية الحرب العالمية الثانية بدا عالم القرن العشرين منقسما بين معسكرين واحد يلوح بشعار بالديمقراطية و يقدم الحريات السياسية على العدالة الاقتصادية والاجتماعية، قائلا «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، والثاني يلوح بالاشتراكية ويقدم العدالة الاقتصادية والاجتماعية على الحريات السياسية، قائلا «لا عيش للإنسان دون خبز».
ومع انتهاء الحرب الباردة، لم تنتصر الأفكار الرأسمالية بمظالمها التقليدية رغم انتصار المعسكر الأميركي، كما لم تسقط الأفكار الاشتراكية رغم انهيار المعسكر السوفييتي ولأن كليهما كانت نظرته جزئية ووقتية وظرفية، كانت النظريتان تمثلان انتقاصا لحقوق الإنسان.
لذلك بدت شعوب عالم القرن الواحد والعشرين بانتظار ميلاد الرؤية الثالثة التي تتكامل فيها الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية،و تتلازم فيها المسارات بين الحرية السياسية والاقتصادية والعدالة الاقتصادية والسياسية بين الطبقات والأفراد، وبين الدول الكبيرة والدول الصغيرة بغير طغيان لإحداهما على الأخرى.