أواخر الخمسينات من القرن الماضي، وفي جلسة ضمت الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ والرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورئيس يوغسلافيا جوزيف بروز تيتو على منصة القصر الإمبراطوري السابق في قلب بكين.

وتحديداً من على الشرفة المطلة على أكبر ساحة في العالم ساحة تيان أن أمين بعد استعراض عسكري ضخم لقوات جيش الشعب الصيني، سأل الرئيس جمال عبد الناصر مضيفه الصيني عن أكبر انجاز أنجزته الصين آنذاك، فأجابه ماوتسي تونغ قائلاً: إن أكبر انجاز استطعنا القيام به بعد توحيد الصين الشعبية هو تأمين ثلاث وجبات جيدة من الطعام لكل مواطن مع تأمين صحي..!

الجواب السابق من زعيم الصين التاريخي ومؤسس الجمهورية قبل خمسة عقود من الزمن، كان متواضعاً، أدهش الحضور، لكنه في طياته بدا يحمل المعاني الكبيرة، التي تتجلى الآن وبعد عقود من الزمن في انطلاقة جبارة لاقتصاد بات هو الرابع في اقتصاديات العالم بعد كل من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان.

وزاد ذلك من تفاؤل القائلين بان الاقتصاد الصيني سيصبح اكبر اقتصاد في العالم قبل منتصف هذا القرن، بل إن البعض توقع حدوث ذلك عند نحو 2035 إذا استمرت معدلات النمو الحالية للاقتصاد الصيني، المتبوعة بسياسات رشيدة على المستوى الاقتصادي المتبع في إطار العلاقات المتبادلة مع دول العالم، مترافقة مع تنمية عوامل الاستثمار الصيني في الخارج.

والاستثمار الخارجي في الصين، بعد أن كان محظوراً لعقود خلت، سياسة رشيدة تضع أمامها ضرورة تحقيق قفزات نوعية وبشكل سنوي في هذا المضمار، متناغمة مع سياسة خارجية صينية تقوم على الاعتدال وتجنب الصدام «المباشر» مع القوى المقررة في الشأن الدولي.

فالعملاق الصيني يسير بجموح وطموح عالٍ لاحتلال الموقع الثاني في اقتصاديات العالم، كعملاق قادم بصمت وعزيمة، عبر اقتصاد هائل، وأحلام واسعة، واستراتيجية ترمي لربط دول عديدة به، وفي تحدٍ واضح للهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة.

فقد حققت جمهورية الصين ووفقا لمعلومات مستقاة من مصادر صينية قفزات اقتصادية خلال الأعوام القليلة السابقة، إذ أنها ومنذ عام 1978، بدأ إنتاجها الاقتصادي بالنمو بمعدل 4 .9 ليبلغ في الربع الأول من هذا العام نسبة 2 .10%.

ومنذ عام 1982 ولغاية 2002، تضاعف الناتج الكلي للفرد فيها بنسبة 5 أضعاف. كما أن لديها 61 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر حسب إحصاءات عام 2004، وقد بلغت تجارتها الخارجية نحو 851 مليار دولار لتصبح ثالث أكبر دولة في العالم من ناحية التجارة الخارجية، وأمام قوتها في التجارة الخارجية، بلغ العجز التجاري الأميركي مع الصين عام 2005 أكثر من 200 مليار دولار.

وقبل أيام قليلة بلغت قيمة شركة النفط الوطنية للصين «بتروتشاينا» ووفقاً للحسابات في بورصة شنغهاي. 1000 مليار دولار، وذلك حسب قيمة السهم. وبموجب حساب آخر، فان قيمة شركة النفط الصينية هو فقط 425 مليار دولار. وحسب التقديرين فان الشركة الصينية هي الآن أضخم شركات النفط العملاقة في العالم، الشركة الأولى أو الثانية في حجمها في البورصات العالمية.

وعليه، فقد أذهلت المحللين الاقتصاديين الأرقام الأخيرة المتعلقة بالنمو الاقتصادي في الصين الشعبية وارتفاعه إلى رقماً قياسياً بلغ بحدود 11% بالمعدل السنوي خلال الأعوام الخمسة الأخيرة حسب المكتب القومي للإحصاء في الصين ووفقاً المعطيات التي نشرتها صحيفة الشعب الصينية. فقد حافظ الاقتصاد الصيني على قوة دافعة مطردة مظهراً تبايناً حاداً للإبطاء في الاقتصاد العالمي، فبات الاقتصاديون في العالم يبحثون بإلحاح عن العوامل التي كانت الأساس في انطلاقة طفرة القاطرة الاقتصادية الصينية.

بدءاً من عقد التسعينات من القرن الماضي، وبالأحرى منذ العام 1986 عندما بدأت سياسة الانفتاح تأخذ مجراها على يد مؤسسها الزعيم الصيني الراحل دنغ سياو بينغ الذي ورث الزعامة والقيادة في الصين من مؤسسها ومنظرها الأيديولوجي ماوتسي تونغ منذ رحيله منتصف العام 1976.

إن الفورة الاقتصادية الصينية، لم تتحقق بيسر وسهولة، بل جاءت مخاض ولادة عسيرة، لم يكن ممكناً لها أن ترى النور بسهولة بعد عقود من الانغلاق الذي عاشته الصين الشعبية في ظل أزماتها المتعلقة بالصين الوطنية (تايوان) والحرب الكورية عام 1955 وأزمات الهند الصينية مع وجود الاحتلالين الفرنسي والأميركي لبلدان تلك المنطقة.

وبعد حصار دولي هائل مورس بحقها إبان اشتداد صراع الأقطاب والحرب الباردة، التي ترافقت مع صراع صيني/روسي بين رفاق الأيديولوجيا اتخذ عناوين الخلاف في الاشتقاق الأيديولوجي لأبناء المدرسة الماركسية اللينينية.

فقد نجحت الولادة القيصرية بدرجة عالية، بعد أن بدأت بكين اتباع سياسات الانفتاح المدروس، وكسر القوالب الأيديولوجية الجامدة التي طالما ميزت سياسات الانغلاق التي اتبعت في الصين عقود ما بعد الاستقلال عام 1949، وبعد التخفيف المدروس من الدوغمائية العقائدية(الجمود الأيديولوجي) لصالح مرونة عالية في صياغة العلاقات الخارجية للصين في جانبيها السياسي والاقتصادي.

وانتهاج سياسة شديدة الاعتدال على المستوى الدولي خصوصاً بالنسبة لمناطق الأزمات في العالم، هذا من جانب ومن جانب آخر فان الإصلاحات اليومية الجارية في الصين لعبت دوراً مهماً في الفورة الاقتصادية، فهي إصلاحات أخذت بعين الاعتبار رفع مستوى الأداء الاقتصادي والتخلص من المعيقات الإدارية البيروقراطية.

وتسخير القانون وأنظمة الاقتصاد وتطويرها بشكل عملي في خدمة الاقتصاد، وتنمية الاستثمار والتصدير، الذي فاق ما ضخته الصين الشعبية من فائض تجاري بلغ العام الماضي 177 مليار دولار. كما أن النجاح الذي ينعم به الاقتصاد الصيني، مصدره انخفاض الأجور، وبنية تحتية جيدة.

ومراعاة قواعد الحفاظ على التوازن المطلوب، وانسجاما مع ذلك، تستكمل بكين صياغة القوانين واللوائح ليتوسع مدى انفتاح السوق الصينية على الخارج وتتحسن البيئة الاستثمارية باستمرار، وزد على ذلك، تواصل عملية إصلاح النظام النقدي بخطوات ثابتة.

«الفورة» الاقتصادية الصينية، التي يحلو لقادة الصين والحزب الشيوعي الصيني وأنصار الإصلاح والانفتاح المدروس أن يستعيروا لها لقباً محبوباً ومرغوباً من قاموس «البلشفية الماركسية» عنوانه «ثورة اقتصادية» ألقت بآثارها على الشقيق الروسي، التوأم الأيديولوجي «المناكف» السابق للصين، فرغم المكابرة النابعة من ارث الوزن والدور الإمبراطوري السابق تحاول موسكو ولو بخجل تبني النموذج الصيني في الاقتصاد.

فأعادت الحكومة الروسية مجدداً السيطرة على شركات البنى التحتية والشركات الأساس في الاقتصاد الروسي التي فقدت السيطرة عليها بعد الانقلاب الأيديولوجي الذي قاده الرئيس السابق ميخائيل غورباتشوف وانهيار منظومة الاتحاد السوفييتي، كما تحاول الحكومة الروسية كنظيرتها الصينية، الحفاظ على سعر متدنٍ نسبيا للعملة المحلية، حيث أصبح الاحتياطي الروسي من الدولار يتجاوز قريبا خط 500 مليار دولار وفق اغلب التقديرات.

وخلاصة القول، إن اقتصاديات العالم وخريطة النفوذ والقوة المالية تتغير كل يوم كما تتغير وفقاً لوتائرها خريطة النفوذ والحضور والتأثير السياسي. ف«السياسة اقتصاد مكثف» ويتوقع في غضون فترة زمنية غير طويلة لجمهورية الصين الشعبية أن تتربع على العرش الثاني لاقتصاديات العالم.

ويتوقع معها أن يتسع حضورها في العالم العربي كشريك ومستثمر على أساس المصالح المتبادلة، وأن يتعاظم دورها المقرر في السياسات الدولية، وفي دور القارة الأسيوية بشكل عام مع استمرار النمو ولو بوتائر أقل في اقتصاديات النمور الآسيوية (سنغافورة، ماليزيا، كوريا الجنوبية).

وعليه يتوقع أغلب المحللين الاقتصاديين أن يكون الإنتاج الموحد للصين الشعبية، ومجموعة النمور الآسيوية ومعها روسيا ثلاثي القوة العظمى الجديد: شأنه أن يصمم مصير الاقتصاد والجغرافيا السياسية العالمية.

كاتب فلسطيني ـ دمشق