مرت الذكرى الثلاثون لاغتيال سيف غباش في 25/10/2007، ولعل الذاكرة الوطنية ما زالت تتذكر المآثر الوطنية لهذا الفقيد الشهيد. فهو من الجيل الذي كان له فضل الريادة في الإمارات، وعندما نقول الريادة قبل نصف قرن من الزمن، فإننا نقصد الريادة بمفهوم ذاك الزمن، حيث كانت الأمية واسعة الانتشار، والتعليم النظامي لم يكن قد أخذ مكانه، ولم تكن دولة الإمارات قد برزت إلى الوجود.
وقد حمل جيل الرواد هذا على عاتقه مسؤولية النهضة الإماراتية بكل أشكالها، لقد قاوم ذاك الجيل الجهل والفقر والحرمان بالإصرار على نيل العلم، سواء في أرض الوطن ما قبل قيام الدولة الاتحادية، أو خارجه عبر السفر في أرجاء المعمورة سواء في الوطن العربي أو العالم الغربي، سواء في المجتمعات الرأسمالية أو الاشتراكية.
لقد كان سيف غباش نموذجاً للمناضل في سبيل العلم والعمل، تحمل كل مشقات الغربة صغيراً، فعمره لم يكن قد تجاوز أربعة عشر عاماً عندما اغترب عن وطنه طلباً للعلم، إلا أن الإصرار على التعليم، كان الحصان الذي امتطاه في أول رحلة علمته أن لا يأس مع الحياة، وأن الإنسان هو الذي يحدد مستقبله ومصيره.
كانت البداية في العام 1949 حينما رحل إلى البحرين ليدخل التعليم النظامي بعد أن نهل من المعارف ما استطاع إليها سبيلاً في الإمارات على يد معلمين لم يبخلوا عليه بعلمهم، وعاد إلى أرض الوطن في سنة 1969م. بعد رحلة شاقة ومريرة حملته إلى دول عديدة لم يعرف خلالها اليأس، ولم تحبطه قسوة الأيام، أو الدروب المسدودة التي كانت تواجهه في هذا البلد أو ذاك، ومع أنه كان موسوعياً في علمه، أديباً وكاتباً وإعلامياً ولغوياً، إلا أن طموحه كان ينصب على أن يصبح مهندساً، وكأنه أدرك وفي وقت مبكر أن الإمارات أحوج ما تكون إلى البناء، وأن هذه الصحراء المترامية الأطراف على حدود الربع الخالي لن تظل صحراء، وأن يد العمران ستمتد على مساحة الوطن، وأن هذا الوطن لا يبنى إلا بالعلوم المعاصرة وفي مقدمتها الهندسة، ولم يعد إلى الوطن إلا مهندساً بعد رحلة امتدت قرابة عشرين سنة.
لقد ظل الشهيد سيف بن غباش يعمل بصمت طوال فترة الاغتراب عن الوطن، وقد علمته تلك الفترة من حياته الاعتماد على النفس والاستفادة من كل فرص التعليم، ومن هنا فقد أجاد العديد من اللغات، ومارس العديد من الأعمال في الدول الغربية مستفيداً من تحصيله العلمي الذي توج بالحصول على شهادة الهندسة من جامعة ليننغراد للعلوم والتكنولوجيا. وقد أكسبته تجربته في الانتقال ما بين الدول الاشتراكية والرأسمالية العريقة معرفة واسعة بنظم الحكم والعلاقات الاجتماعية وتناقضاتها وتعقيداتها مما مكنه من أن يتجاوز في نظرته وسلوكه وطرائق تفكيره الإطار التقني لتخصصه كمهندس، فمن تعرف عليه في تلك الفترة لم يجد أمامه مفكراً فحسب بل إنساناً واقعياً يحمل في جعبته خططاً تطويرية يعمل على توظيفها في وطنه الإمارات.
لقد كان نموذجاً للمثقف الموسوعي، فهو مطلع في مجال تخصصه إضافة إلى إنكبابه على قراءة كتب معظم الفلاسفة من أمثال البير كامو وجان بول سارتر وموليير و ماركس وإنجلز وغيرهم، وذلك بعدما أتقن اللغة الروسية خلال دراسته في ليننجراد، واللغة الإنجليزية خلال دراسته في البحرين والفرنسية في فترة تواجده في عاصمة الفكر الإنساني باريس.
ولقد ظهر ذلك جلياً بعد عودته إلى وطنه مفعماً بالحماس والأمل، فكان عمله الأول في رأس الخيمة مسقط رأسه، حيث لعب الشهيد دوراً كبيراً في تخطيط المناطق الزراعية والسكنية وساهم في وضع الخرائط وتنظيم ملكيتها ومساحاتها بالإضافة إلى مشاريع حماية الشواطئ وشبكة المواصلات.
ولم يقتصر عمله في رأس الخيمة في هذا المجال بل عمل كذلك على نشر المعرفة والثقافة من خلال مقالاته التي كانت تزخر بها مجلة رأس الخيمة، وعند بزوغ فجر الاتحاد، ولأن دولة الاتحاد كانت حريصة على الإفادة من كل القدرات الخلاقة والمبدعة لدى شعب الإمارات، كان سيف من العناصر الشابة التي استقطبها العمل الاتحادي ووجد الإتحاد في شخصية سيف التي تعرفت على بقاع عديدة من العالم والتي تجيد العديد من اللغات الأجنبية، الشخصية المناسبة لتسنم منصب وكيل وزارة الخارجية، ولأن المغفور له الشيخ زايد كان عالماً بمعادن الرجال جعل من الشهيد أول وزير دولة للشؤون الخارجية في 25/12/1973م، حيث قام بإيصال صوت الإمارات العربية المتحدة إلى المحافل الدولية، ودافع عن القضايا الوطنية والقومية والإنسانية. لقد ساهمت سنوات الغربة في تكوين عقله وشخصيته القيادية الهادئة واستطاع أن يتواصل مع الآخرين بجدارة ومقدرة يشهد له الجميع بها.
عند الحديث عن الشهيد سيف غباش يطول على الرغم من أن يد القدر لم تمهله كثيرا، نجد أن من واجبنا أن نقدمه للأجيال الجديدة كي تدرك إن ابن الإتحاد نما وترعرع وكبر بجهود أبنائه المخلصين الذين تسلحوا بالعلم والعمل والإرادة الصلبة والطموح في أن تكون الإمارات رائدة وقوية ولها مكانتها بين دول العالم، لقد كان سيف نموذجاً للإنسان الباحث عن الحياة والعمل من أجل الوطن.
نرجو أن لا ننسى أبو ميسون الذي قدم من رأس الخيمة، رائداً من رواد نهضتنا ومفكراً وطنياً عمل على ترسيخ مفهوم الانتماء للوطن وإنساناً لم يجد في العلوم والمعارف التي تعب في الحصول عليها إلا مدخلاً لخدمة أبناء جلدته. لقد كان نموذجاً للإنسان العصامي الذي عرف جيداً كيف يوظف قدراته في المساهمة بتواضع في بناء نهضة الإمارات.
وحدة الدراسات والبحوث