إدارة بوش حائرة بشأن كيفية التعامل مع المتغيرات المتسارعة في باكستان:

هل تواصل مراهنتها ودعمها على ديكتاتور يملك سلطة مطلقة «لمحاربة الإرهاب» لكنه يفتقر إلى شعبية أم تحول المراهنة والدعم إلى شخصية سياسية مدنية لها قاعدة شعبية قوية، لها استعداد لمواصلة الحرب على «الإرهاب»، لكنها ستكون أسيرة القيود الدستورية والقانونية التي يفرضها نظام ديمقراطي تعددي؟

لقد ابتدرت الإدارة الأميركية معادلة كانت تأمل أن تحقق توافقاً بين الخيارين من خلال اقتسام سلطة بين الجنرال مشرف والسيدة بنازير بوتو. ولكن بإزاء مراوغات الجنرال وعناده انتهت المعادلة إلى فشل.

من حيث المبدأ لا تحفل الولايات المتحدة باستعادة الديمقراطية في باكستان، حيث يصبح متاحاً لخصوم أميركا ممارسة نشاط قانوني مشروع ضد السياسة الأميركية إما على صعيد المعارضة أو صعيد الحكم، لكن في الوقت نفسه لابد أن كبار المسؤولين في إدارة بوش يتساءلون: إلى أي مدى تستطيع واشنطن أن تضمن بقاء ديكتاتور عسكري مع تصاعد واشتداد معارضة شعبية عارمة ضده تجمع بين كل ألوان الطيف السياسي.

وحيث إن الإدارة الأميركية لم تقرر حتى الآن موقفاً محدداً تجاه المشهد الباكستاني فإن الأمر لا يخرج عن أحد احتمالين: إما أن طاقم الإدارة حائرون مترددون، وإما أن هناك انقساماً بينهم بشأن ما ينبغي أن يتخذ من موقف حاسم ونهائي.

وكأن السيدة بوتو التي تتزعم المعارضة الشعبية ضد نظام الجنرال أدركت تلك الحيرة أو ذلك الانقسام بين كبار مسؤولي إدارة بوش. فهي الآن تعرض نفسها من خلال قيادتها لقوى المعارضة كشخصية سياسية موالية للسياسة الأميركية تجاه كل من باكستان وأفغانستان في سياق «الحرب الأميركية على الإرهاب» ورغم أن زعيمة «حزب الشعب الباكستاني» تقيم اتصالات مع كل أحزاب ومنظمات المعارضة من دون استثناء ـ بما في ذلك الأحزاب والمنظمات ذات التوجه الإسلامي الراديكالي إلا أنها تعلن من حين لآخر أنها تمثل «القوى المعتدلة».

في مقابلة إذاعية من مدينة لاهور قالت إنها تحاول توحيد «قوانا المعتدلة.. الوحيدة القادرة على مواجهة الخطر الوحيد في البلاد وهو التطرف والعصيان الإسلامي والإرهاب».

وكانت بوتو أكثر صراحة في مقالة لها نشرت بصحيفة «هيرالد تريبيون» الأميركية، حيث قالت: «إن الغالبية الساحقة من الباكستانيين معتدلون، وإني آمل أن يتوحدوا في تحالف للاعتدال من أجل تهميش الطغاة والمتطرفين معاً واستعادة الحكم المدني لمنصب الرئاسة وإغلاق المدارس الدينية التي تقوم بتخزين الأسلحة والدعوة إلى العنف».

وفي سياق تصريحاتها الإعلامية من لاهور قالت بوتو: إنها تطلب من المجتمع الدولي التوقف عن دعم مشرف «الذي تهدد ديكتاتوريته بإغراق القوة النووية الباكستانية في فوضى» ـ أي أن تنتقل السلطة إلى الإسلاميين فيتحكموا بالتالي في الترسانة النووية الباكستانية.

ولنتساءل: هل تختلف مثل هذه الأقوال والتصريحات عما يصدر عن رموز «المحافظين الجدد» في واشنطن من أمثال ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وجون بولتون.

ان المغزى الذي يستخلص هو أن أولوية بوتو إذا آلت إليها السلطة ستكون تدشين عهد جديد من قمع التنظيمات الإسلامية وكل القوى الباكستانية الأخرى التي تعارض السياسات الأميركية.

من بين انتقادات بوتو للجنرال مشرف أنه يسخر القوى الأمنية لقمع المعارضة أكثر من تسخيرها لمطاردة تنظيم «القاعدة» وأسامة بن لادن. ويبدو أن بوتو نفسها سوف تنتهج هذا النهج إذا تسلمت السلطة.