مع بدء العد العكسي لعقد مؤتمر (خريف) السلام في مدينة أنابوليس بدعوة من الرئيس الأميركي جورج بوش، تتراكم الأطماع الإسرائيلية، التي تسعى جاهدة إلى تفريغ المؤتمر من أي مضمون فعلي يؤدي إلى تقدم خطوة واحدة باتجاه تحقيق السلام العادل والشامل، بل تحويله إلى مائدة لإشباع النهم الإسرائيلي وابتلاع المزيد من التنازلات، وقضم القليل المتبقي من الأراضي الفلسطينية، أو تشطيرها وتقطيعها لمنع قيام دولة مستقلة في المستقبل.
الأطماع الإسرائيلية تتزايد وتكاد تسد الطريق إلى انابوليس، وتضع الطرف الفلسطيني في موقع لا يمكنه من انتزاع الممكن من حقوقه المغتصبة، ولا تترك له سوى محاولة التصدي لهذه الأطماع والوقوف بثبات ـ إن توفرت له الفرصة ـ ضد من يريدون انتزاع التنازلات أو إجباره على التفريط في الثوابت الوطنية والمقدسات الدينية.
وتبدت هذه الأطماع في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت في خطابه أمام المستعمرين الصهاينة وخلال محادثاته مع مفوض العلاقات الخارجية الأوروبية خافيير سولانا، حيث طالب الفلسطينيين بالاعتراف بأن إسرائيل دولة للشعب اليهودي، بما يعني إسقاط حق عودة نحو خمسة ملايين لاجئ إلى وطنهم المغتصب إلى الأبد، ليس هذا فقط بل التخلي عن الحقوق المشروعة والتاريخية للفلسطينيين في الكفاح بكل الطرق والوسائل القانونية والسلمية والعسكرية لاسترداد أرضهم المغتصبة.
ويزيد من خطورة هذا المطلب الإسرائيلي انه يصادر ليس فقط على الحاضر بل يسد الطريق نهائيا إلى المستقبل، ويجعل مصير الشعب الفلسطيني رهناً برضاء المحتل والغاصب، يمنح إن رضي ويمنع إن غضب، ويضفي على الغاصب صفة شرعية ويبرئ ساحته أمام القضاء الدولي.
ويهيل أولمرت بطلبه هذا التراب على كل قرارات الشرعية الدولية، بداية من قرار التقسيم ـ الذي يوافق موعده يوم انعقاد مؤتمر انابوليس ـ والقرار 147 بشأ حق عودة اللاجئين، وقرارات حماية القدس بوصفها ارضاً فلسطينية وعاصمة للدولة المقبلة حتما رغم أنف الغاصب.
ويستلهم أولمرت كلامه من الذهنية الإسرائيلية التي وضعت نصب عينيها منذ نكبة اغتصاب فلسطين وحتى اليوم، ضرورة طمس أي إشارة تذكر العالم بان إسرائيل تقوم على ارض فلسطين المغتصبة، وتمرير اكبر أكذوبة في التاريخ وتصوير المحتل على انه صاحب ارض، شرد شعبها.
والحال هكذا، ليس أمام المفاوض الفلسطيني قبل التوجه إلى انابوليس الا أن يحصن نفسه ضد محاولات انتزاع التنازلات، وضد تقزيم الضئيل أصلا من مكاسبه. وهناك أسلوب واحد لهذا التحصين وهو استعادة وحدة الصف الوطني بعد ان انفرط العقد، ونكث الغزل، وانقلب هرم الأولويات رأسا على عقب، حتى صار الخلاف مع الشقيق أهم من التناقض مع العدو مغتصب الأرض ومنتهك العرض، ومدنس المقدسات.
وبدون وحدة الصف وتفعيل آليات التنسيق والالتفاف حول برنامج وطني، لن يسفر مؤتمر انابوليس عن شيء ايجابي لصالح الفلسطينيين، بل سيضاف إلى سلسلة المؤتمرات التي كان مصيرها الفشل، على ان الفشل هذه المرة سيكون فوق قدرة أي طرف على احتماله، فالمنطقة تغلي بنزاعات وتختمر في أحشائها إمكانيات اندلاع صراعات دامية تهدد بإعادة رسم خرائطها وترسيم حدود جديدة في إطار لعبة دولية ينفرد بإدارتها قطب أوحد، يصارع للخروج من مستنقعات فشله الذريع في العراق وأفغانستان.
يضاف إلى سبل تحصين المفاوض الفلسطيني، ضرورة بروز موقف عربي وإجماع على ضرورة خروج المؤتمر بجدول زمني ينفذ أجندة متطلبات السلام، ويرفض أي محاولة لجر العرب إلى فخ التطبيع مع إسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
على ان إسرائيل لم تظهر حتى اليوم أي بادرة سلام أو رغبة في إنجاح المؤتمر، فالحفريات حول وتحت المسجد الأقصى مستمرة، والاستيطان في القدس والضفة الغربية على قدم وساق، والاعتداءات على غزة ومدن الضفة لا تتوقف. الأمر الذي يفرض علينا عدم الإسراف في تصديق الأوهام والعودة إلى ارض الواقع وعدم فقد الثقة في المستقبل. لان انابوليس ليس نهاية المطاف بل مجرد محطة عابرة في مرحلة انتقالية.
