كلما اقتربنا من موعد التئام مؤتمر أنابوليس للسلام ، تزيد في نفس الوقت وتيرة التعتيم على تفاصيل أو جدول أعمال المؤتمر ، هذا يعني أن هناك وراء الحجب ما لا يريد منظمو المؤتمر أن يفصحوا عنه ، وعدم وضوح جدول الأعمال أو إعلان مبادئ بالقضايا التي يمكن التوصل الى اتفاق حولها يترك الساحة مفتوحة لاحتمالات فشل المؤتمر فعلا كما يتحدث بذلك مراقبون للأحداث .
فالوقائع اليومية في مسيرة المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين لا تشي بأي خير حيث يصر الاسرائيليون على موقفهم من القضايا الرئيسية كالقدس والمستعمرات واللاجئين والدولة المستقلة والمياه وغير ذلك من أسس ، ولا ينفكون يصرحون أو يلوحون بأن هذه القضايا هي خارج الحوار في انابوليس .
الفلسطينيون من جانبهم يخشون من مغبة الظهور بمظهر من يذهب الى المفاوضات وهو خالي الوفاض من أية اتفاقات مبدئية أو إعلان للمبادئ ولربما هذا الاستعصاء والتباعد في المواقف هو الذي حدا برئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات الى الالتقاء بقناصل الاتحاد الاوروبي ليطلعهم على الصعوبات والتعقيدات التي تطرحها اسرائيل في طريق التوصل الى اتفاق مبدئي ذي بال يعطي بارقة أمل لنجاح اللقاء في أنابوليس .
فإسرائيل لا تعطي على نفسها أي التزام تجاه ما هو مطلوب منها ، وفي نفس الوقت تمارس كل الأطراف وبخاصة الاوروبية والاميركية ضغوطا هائلة على الجانب الفلسطيني ليذهب الى مؤتمر الخريف دون الالحاح على مزيد من الالتزامات .
ولذلك تبقى تصريحات الجانب الفلسطيني عامة وحّمالة اوجه،وآخرها تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه يسعى الى (سلام الشجعان) ، وهذا مصطلح طالما استخدمه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، دون ان يعطي فرصة لأحد لكي يكون انطباعاً عن مهندس المفاوضات على الجانب الفلسطيني بأن لديه استعدادا للتنازل. فما الجديد الذي يجعل الجانب الفلسطيني يستعيد المصطلح اليوم وسط هذه الضغوط كلها الملقاة على عاتقه؟
ما نفهمه ان عباس والوفد الفلسطيني يجتاحهم القلق مما يخبأ لهم في (أنابوليس) ومن طبيعة المصطلحات الجديدة المستخدمة على الجانب الاسرائيلي ومضامينها المخفية مثل المطالبة بالاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية، وما ذلك الا غلاف ظاهري لمضمون مختبئ خلفه وهو منع عودة اللاجئين الفلسطينيين الى موطنهم الاصلي. اذاً هناك حرب مصطلحات قائمة على قدم وساق.
وجاء رفض اسرائيل لدخول رئيس الوفد المفاوض احمد قريع الأسبوع الماضي ليفضح العقلية التي تدير عملية التفاوض على الجانب الاسرائيلي، فلا حصانة لأحد مهما كان دوره في عملية التفاوض اذا كان ذاهباً لإسرائيل من اجل فتح ملفات مرفوض الحديث عنها، وهكذا تلعب اسرائيل في مساحة تستهدف (نسف) انابوليس رغم انف كل الذين يتطلعون إلى عمل شيء ذي بال وفي طليعتهم الفلسطينيون انفسهم ومن ورائهم العرب والاميركيون ايضا وان كان لكل من هذه الاطراف مصلحته الخاصة في نجاح مفاوضات الخريف.
المهم ان تشتد العزائم العربية خلف الوفد الفلسطيني لطرح مطالبه حتى لو ادى ذلك لفشل انابوليس.
