وسط كل هذه المبادرات الأمريكية والفرنسية والإيطالية وغيرها من المبادرات الأجنبية والعربية الساعية لتحقيق "الاستقرار والأمن" في لبنان، يطل سؤال منطقي وملح: أين اللبنانيون من كل هذه المبادرات؟
وأين مصلحة لبنان وشعبه؟
هل يعقل أن يكون حرص فرنسا على مصلحة لبنان وشعبه أكثر من حرص قيادييه من "المعارضة" و"الموالاة"، وهي الدولة التي احتلت لبنان لسنوات طويلة وفعلت ما فعلته بأحراره ومناضليه، ولم تخرج منه إلا بعد أن أدركت أن ثمن بقائها كان مكلفا وداميا؟
وهل يعقل أن يتفطر قلب أمريكا حزنا على معاناة لبنان واللبنانيين وجيشها يحتل العراق ويقتل العشرات من أبنائه كل يوم وينهي تدمير ما تبقى من أحجاره بعد أن قضى على تراثه وسرق تاريخه، فيما تستمر قيادته في دعم عدو لبنان والعرب الأول دون أي قيد أو شرط؟
إن "العلاقات التاريخية" التي يقول البعض إنها تربط لبنان بهذه الدول ليست إلا مصالح تحاول هذه الدول تحقيقها والحفاظ عليها بأقل التكاليف بعد أن فشلت في المحافظة عليها من خلال الاستعمار المباشر.
أما إسرائيل فهدفها بالطبع هو السعي لتحقيق أمنها بالدرجة الأولى في هذه المرحلة ودعم أي مبادرة أو جهة تحقق لها ذلك، وصولا إلى مرحلة قادمة تستطيع فيها أن تحقق أطماعها المستقبلية من توسع وضم واستيطان.
حتى علاقات لبنان مع بعض الدول الإقليمية لا يمكن النظر إليها إلا من خلال الحيطة والحذر، خاصة أن تاريخ لبنان الحديث مليء بالكثير من التجاوزات والمآسي التي تسببت بها بعض هذه الدول لأرض لبنان وشعبه.
إن على القوى اللبنانية بجميع أطيافها وألوانها وطوائفها، ومعارضتها وموالاتها، وأكثريتها وأقليتها، وجميع أبنائها داخل لبنان وخارجه أن تقف قليلا مع ذاتها وتحكم عقلها وترفع شعار "لبنان أولاً" وتسعى لتطبيقه على الأرض مهما كلفها ذلك من تضحيات وتنازلات، فلبنان للبنانيين أولا وآخرا، وهم الذين سيعيشون فيه ويتحملون تبعات أي حل مستقبلي ويدفعون ثمنه، ولن تستطيع أساطيل العالم كله أن تحقق الأمن للبناني ما لم يأمن جاره ويصل معه لاتفاق يرسم في حده الأدنى أصول العلاقة بين اللبناني واللبناني، واللبناني وجيرانه، واللبناني والعالم، وما لم تكن العلاقة اللبنانية - اللبنانية هي الأساس والمرجع في بناء جميع العلاقات الأخرى.
ولا بأس هنا من الاستعانة ببعض الجهود الخيرة لبعض الدول الإقليمية المعروفة بنزاهتها ووقوفها على مسافة واحدة من جميع الأطراف اللبنانية واستعدادها لتقديم الكثير من أجل لبنان وشعبه، لكن هذه الدول أيضا لا يمكن أن تفعل شيئا ما لم يتفق اللبنانيون على الابتعاد عن محاولة تحقيق المصالح الشخصية الضيقة، والنظر إلى لبنان من خلال مصالحه الداخلية والإقليمية والدولية، وليس من خلال مصالح الآخرين فيه.
