تسير الأوضاع بين روسيا والولايات المتحدة، نحو مزيد من التوتر نتيجة التعنت الأميركي. حيث تدعي الإدارة الأميركية،أن هدف خطة نشر منظومة الدرع الصاروخية. هو الاستعداد لمواجهة أي هجمات صاروخية محتملة.
قد تشنها دول مارقة، وهي تبريرات فند صحتها عدد كبير من الخبراء العسكريين، اعتمادا على دراسات عسكرية واضحة، لآلية عمل الرادارات والصواريخ التي تنوي واشنطن نشرها في شرق أوربا.
منظومة الدرع الصاروخية المزمع نشرها في شرق أوروبا. لا تزال أزمة الملف الرئيسي في الجدل الدائر بين موسكو وواشنطن، والذي سيحدد بشكل نهائي طبيعة العلاقة بينهما، إضافة إلى تحديد مستقبل السياسة الدولية، وصولا إلى احتمالات تصاعد حدة التوتر بين الطرفين، والعودة إلى مرحلة شبيهة بحقبة الحرب الباردة.
عرضت روسيا،الاستخدام المشترك لقاعدة غابالا، بديلا عن نشر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا.لكن يبدو أن الولايات المتحدة. تنظر في الأمر من زاوية، لم تردها روسيا منذ البداية، وحذرت منها. و في الواقع فإن المحادثات الأميركية،الروسية، حول قاعدة غابالين ينسك، لم تأت لروسيا بالنتائج المتوخاة. إذ وجدت الولايات المتحدة مبررا لا غبار عليه لرفض الاقتراح الروسي. إذ ترى الولايات المتحدة، أن قاعدة الرادار الروسية. لا يمكن أن تشكل البديل المناسب عن القاعدة الأميركية المزمع نصبها في الجمهورية التشيكية.
وهذه الرؤية لم تقتصر على قاعدة غابالينسك، بل وشملت أحدث نظام راداري روسي نُصب مؤخرا في روسيا.
«إن الرادارات الروسية، ضمن مواصفاتها الحالية، عاجزة عن تنفيذ المهام التي ستقوم بتنفيذها قاعدة الرادار الأميركية في التشيك. والحل الأفضل يكون بضم القاعدة الروسية، إلى خطة نشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية».
هذا ما أراد قوله موظف السفارة الأميركية في باكو بين أسطر عباراته. وهذه هي وجهة النظر التي طرحها الجنرال أوبيرنغ، مدير هيئة الدرع الصاروخية الأميركية، أثناء كلمة ألقاها في المعهد الأوروبي أمام دبلوماسيي الدول الأوروبية في العاصمة الأميركية.
إلا أن المفاجآت المزعجة بالنسبة لروسيا، لم تتوقف عند هذا الحد. إذ ضغط أوبيرنغ على أكثر النقاط إيلاما لروسيا، حين عبر عن ثقته المطلقة بأن الإدارة الأميركية، ستتمكن من التوصل إلى اتفاق مع حكومتي التشيك وبولونيا لنشر قواعد الدرع الصاروخية على أراضيها. اكد أوبيرنغ ثقته هذه، بتزايد الاهتمام عالميا. بمنظومة الدرع الصاروخية والشعور بالحاجة العاجلة لهذه المنظومة على خلفية تزايد التهديدات الإيرانية.
هذه التصريحات تدل على أن كل جولات المحادثات الروسية الأميركية بشأن منظومة الدرع الصاروخية لم تحرك الأمور، وما زال الخلاف في وجهات النظر قائما، ونتائج المحادثات التي أتت عبر التصريحات الأميركية، تؤكد هذه الحقيقة. كما أن ردة فعل موسكو على تصريحات الجنرال الأميركي. تأكيد آخر على أن الخلاف ما زال قائما.
وصرح الجنرال يوري بالويفسكي، قائد أركان الجيوش الروسية، والمحرك الرئيسي لفكرة الاستخدام المشترك لقاعدة غابالينسك، أنه لم يكن يتوقع ردا غير ذلك من الجانب الأميركي.
إن بالويفسكي على حق، فمن حيث الجوهر لم يقل أي جديد، ورفضه لفكرة أن تكون قاعدة غابالينسك بديلا عن القاعدة في التشيك. كان واضحا. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت سابقا أن قاعدة الرادار التي تقترحها روسيا، ليست أكثر من قاعدة تحذير من الهجوم الصاروخي، ولا تقوم بمهام توجيهية للصورايخ المعترضة، كما تقوم بذلك القاعدة التي تنوي واشنطن إقامتها في التشيك.
عموما فإن الولايات المتحدة قد أوقفت الحديث عند الجانب التقني للقاعدة كي تقول بصريح العبارة. إنه لا يمكن لأي رادار آخر أن يلعب دور البديل عن الرادار الأميركي في تشيكيا.
ولم تتمكن موسكو من الدفاع عن قاعدة راداراتها، حتى عندما أشارت إلى الأنظمة الرادارية الحديثة والاستعداد، لوضعها ضمن الاستخدام المشترك. كبديل عن نشر الدرع الصاروخية في تشيكيا وبولونيا.
ويرى الخبراء والمحللون أن الولايات المتحدة لم توافق على الاقتراح الروسي، أو أي اقتراح آخر يدفعها إلى العدول عن نيتها، بنشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية.
ولعل المبررات التي تسوقها الولايات المتحدة. لرفض العروض الروسية المغرية، والهادفة إلى تفادي المزيد من التوتر في العلاقات بين عملاقين، تدل على أن أهداف الإدارة الأميركية، من نشر الدرع الصاروخية في أوروبا لا تقتصر على المعلن، بل وتشمل أيضا نوايا أمريكية مبيتة ضد روسيا.
وفي ظل تباين واسع في قراءة الموقف الجيو سياسي بين روسيا والولايات المتحدة، في ظل سعي الولايات المتحدة لفرض رأيها وسياستها على الجميع، عوامل لا تدفع إلى التفاؤل بشأن الدرع الصاروخية.
الأمر الذي يشير إلى تزايد احتمالات تصاعد حدة التوتر دوليا. فمنظومة الدرع الصاروخية ليست ألعابا نارية، بل أداة لإدارة اللعبة الاستراتيجية، التي من شأنها وضع أسس لمجمل الوضع الدولي خلال السنوات الخمس عشرة القادمة كحد أدنى.
الموافقة على الاقتراح الروسي يعني بالنسبة للولايات المتحدة، التخلي عن الاستراتيجيات المعلنة لمنطقة الفضاء السوفييتي وأوروبا، وسيؤثر ذلك حتما على مجمل الاستراتيجيات الأميركية لبقية مناطق العالم، والشرق الأوسط في المرتبة الأولى.
أما إذا رفضت الإدارة الأميركية، الاقتراح الروسي فإن شعوب أوروبا، ومعها شعوب العالم ستتأكد من أن الولايات المتحدة هي مصدر وسبب التوتر الأكبر والأخطر في العالم. فكيف ستتجاوز إدارة بوش الاختبار المعقد؟