تبلغ السيدة الأميركية الفاضلة أميليا روبنسن اليوم سن السادسة والتسعين وهي رفيقة كفاح شهيد قضية الحقوق المدنية للسود القس مارتن لوثر كنج والزعيمة التي لا تلين لها هامة أو همة في النضال المستمر ضد العنصرية والاستعمار واليوم ضد دعاة احتلال العراق والعدوان على إيران وقمع الشعب الفلسطيني وإذلال أفغانستان في صلب الإدارة الأميركية أو اللوبيات اليهودية المتطرفة.

والسيدة (أميليا روبنسن) صديقة كريمة عرفتها منذ حوالي عشرين عاما عن طريق صديقنا المشترك المرشح الأسبق للرئاسة الأميركية (ليندن لاروش) في واشنطن، ثم التقيتها في عديد المؤتمرات الدولية في عواصم كثيرة من العالم، وفي سبتمبر الماضي جمعنا مؤتمر ألمانيا حول التأسيس لعالم أفضل ثم التقيتها في باريس هذا الأسبوع وهي تقدم كتابها الذي يترجم لحياتها المشحونة بالكفاح العادل وقد صدر باللغة الفرنسية.

هذه السيدة بدأت نضالها السلمي الطويل والمضني مع صديقتها السيدة روزا باركس عام 1955 في عز التمييز العنصري الذي كان عاديا في كل الولايات المتحدة حين رفضت المواطنة الأميركية السوداء السيدة روزا ترك مقعدها في الحافلة لمواطن أبيض كما تريد الأعراف العنصرية المشينة التي كان معمولا بها وسائدة في أمريكا.

مجرد رفض للتخلي عن المقعد بالباص للرجل الأبيض الذي كان يعتقد ببلاهة وغباء وتعال بأنه هو السيد في الباص وفي المجتمع وبأن المرأة السوداء هي العبد.

مجرد حركة شخصية وعفوية وغاضبة ولكن هادئة دشنت مرحلة العصيان المدني في كل المدن الأميركية وهنا دخلت على خط الكفاح السيدة أميليا روبنسن وراء القس المسالم الذي تحول الى أسطورة مارتن لوثر كنج الذي اشتهر بكلمة بسيطة ألقاها عام 1958 وهي: لدي حلم!

وبالفعل بدأ المواطنون السود يضربون عن استعمال وسائل النقل العام ويمتنعون عن شراء البضائع الأميركية ما دام هناك تمييز، الى أن اضطرت الحكومة في عهد الرئيس جون كيندي الى التعجيل بإزالة الفوارق العنصرية.

ولم يعد العالم يرى رموز العار في يافطة على واجهة مقهى أو مطعم مكتوب عليها بصفاقة: محل ممنوع على السود وعلى الكلاب أو عبارة للبيض حصريا فقط ولم يكن ذلك التحول ممكنا لولا كفاح مستميت لامرأة مثل أميليا ومثل روزا ورجل مثل لوثر كنج.

وقالت لي السيدة الفاضلة أميليا روبنسن بأن كفاحها لم ينته لأنها تعتبر بأنه ما دام في العالم ظلم وجور فلا بد أن يقابله صمود ويواجهه تحد. وهي تحدثت مع الشباب الفرنسي وطالبته بالوقوف في وجه العنصرية الجديدة التي أدانتها منظمة الأمم المتحدة في فرنسا بالذات، تلك العنصرية التي نعتها تقرير أممي بكونها لئيمة وخبيثة أي أنها لا تستعمل القانون لتكريس التمييز.

لكنها تعشش وتفرخ في أذهان وعقول العنصريين المتطرفين ويجدون لها وسائل للتعبير عن بشاعتها برفض وظيفة لمواطن فرنسي من أصول مغربية أو افريقية أو حرمانه من حقه المدني في الدراسة والسكن والصحة والتدريب والتأهيل لا لسبب شرعي أو قانوني ولكن بسبب لون بشرته أو اختلاف عرقه أو أصوله المهجرية.

ان كفاح السيدة أميليا خارج حدود الولايات المتحدة وخارج إطار الحقوق المدنية في أميركا يزيد من تقديرنا لهذه المناضلة التي أصبحت جزءا مضيئا ومشرفا من تاريخ حركات السلام العالمي بفضل الطابع السلمي والمثمر لهذا الصنف من الكفاح بعيدا عن الإيديولوجيات والتحزبات والاقصاءات.

فهو كفاح إنساني شامل بلا حدود تماما كإنسانية الإنسان الذي كرمه القرآن الكريم وحفظت ذاته الكتب السماوية والشرائع البشرية كخليفة لله جل وعلا في الأرض.

وحين سألت السيدة أميليا عن حكمة حياتها المناضلة الطويلة في عبارة قالت لي: ان مسيرة الحق والعدل تبدأ لحظة يشعر فيها المظلوم بأنه مظلوم ويعي أن بإمكانه أن يقهر ظالمية.

alqadidi@hotmail.com