يتوزع الفعل المقاوم على جبهات عدة، غير مقتصر على وجهة بعينها، ولا طرف بذاته.
وإذا كانت مقاومة المستعمر والمحتل والغريب الغاصب هي الأبرز والأعلى صوتا، والأكثر طرحا في اللحظة الراهنة، بحكم الظروف التي يمر بها العالم العربي، فإن هناك جبهتين تدور عليهما معركة حامية للمقاومة، لا تقل أهمية بأي حال من الأحوال، عن التصدي للمستعمر، أو الدفاع عن سيادة الوطن واستقلاله وحريته، بل إن فيهما ما يقي الأوطان من قابلية الغزو والاستغزاء، ويصونها من أن تكون لقمة سائغة في فم أي طامع.
والجبهة الأولى هي مقاومة الحاكم الجائر، لرده عن ظلمه وطغيانه، ودفع الناس إلى إقامة العدل، الذي تتقدم به أمم حتى ولو كانت فاسقة، بينما تتردى من دونه أمم حتى لو كانت مؤمنة. وقد جعل الدين الإسلامي من خلال حديث شريف من هذا النوع من المقاومة أعظم درجة من درجات الجهاد. فهاهو الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».
وقد أخذت مقاومة الاستبداد أشكالا متعددة عبر التاريخ الإنساني، لتحقق القاعدة السامية التي تخلق نوعا من التوازن والتحسب في الحياة الإنسانية بأسرها، حين يدفع الناس بعضهم بعضا.
وأعلى شكل تمثل في الثورات العارمة التي عرفها التاريخ، وبعضها كان أحمر إلى أقصى حد مثل «الثورة الفرنسية» وبعضها كان أبيض إلى أفضل مستوى مثل «ثورة يوليو المصرية» التي قامت عام 1952، وبين هذين اللونين تدرجت الثورات التي غيرت مصير ومسيرة الإنسانية جمعاء.
وهناك أشكال متفاوتة من مقاومة الاستبداد منها العصيان المدني والتمرد وتبني خطاب مضاد لذلك الذي تتبناه السلطة، ومنها التظاهر السلمي، والاحتجاج العنيف، الذي يصل إلى مرحلة رفع السلاح في وجه السلطان الجائر.
وفي كثير من الأحيان نجحت المقاومة السلمية في تحقيق الغرض منها، حتى لو كانت منزوعة العنف تماما، مثل تلك التي قادها الزعيم الهندي الخالد المهاتما غاندي ضد الاستعمار الإنجليزي لبلاده.
حيث اكتفى الهنود بمقاطعة البضائع الإنجليزية، والرضى بالعيش على حد الكفاف، ورفض التعاون مع المستعمر تحت أي ظرف، وتقديم الأرواح رخيصة وفي صمت وامتنان كامل في سبيل الكيد للمحتل الغاصب، وتجريسه عالميا.
وقد بدأ غاندى بنفسه فلبس ثيابا خشنة كان يصنعه بمغزله، واعتمد في كل طعامه على عنزته الشهيرة، التي كان يصطحبها معه في كل مكان. واتبع الهنود زعيمهم، حتى وجد الإنجليز أنفسهم مجردين من ركائز عديدة للسيطرة والحكم، فانجلوا عن البلاد.
وفي أحيان أخرى لم تنجح المقاومة، حتى في ظل ممارسة درجة قاسية من العنف، في إزاحة الحكم المستبد، بل انتهت في بعض الحالات بهزيمة المقاومين وانسحاقهم، وإجبارهم على التراجع عن أفكارهم، وإلقاء السلاح من دون قيد ولا شرط. لكن حدوث هذا بشكل متكرر لم يمنع أناس في كل زمان ومكان من رفع لواء مقاومة الظلم، حتى وهم أقل عددا وعدة.
ومثل هؤلاء حافظوا على حركة التقدم في التاريخ الإنساني، وأججوا دوما أشواق الناس إلى العدل والحرية، وتمسكهم بالمثل العليا، وجعلوا راية الاحتجاج تنتقل من جيل إلى جيل، دون توقف.
وأدى هذا في كل الأحوال إلى شق مسار مغاير في التاريخ، يتأسس على كلمة «لا» أو رفض الأوضاع السائدة، وعدم الانصياع لتجبر المستبدين، أو الرضوخ لمسلك الفاسدين، الذي يشد عربة الحياة إلى الوراء، ويغتال حلم الإنسان في مستقبل أفضل.
وهذا المسار لا يستطيع حاكم في أي وقت أن ينكره، حتى لو كان مسارا ضيقا حرجا، ومن ثم بدا بالنسبة للجالسين على العروش وكراسي الحكم كابحا مهما، وعنصرا ذا بال، يجب أن يحسب حسابه في مختلف الأوزان والنسب التي تشكل أي قرار، حتى ولو بنصيب ضئيل، ووزن خفيف.
والجبهة الثانية هي مقاومة الأفكار المتخلفة والتقاليد البالية والأعراف المتحجرة المغلوطة. وهذه الجبهة هي الأعراض في تاريخ الإنسانية، والأكثر تأثيرا مع الزمن.
فالفورات المسلحة والانتفاضات العنيفة والتمردات الدامية يمكن أن تحدث أثرا سريعا، لكن معطيات التاريخ تقول بجلاء إن النخب التي تقفز إلى الامام في ظل الأوضاع التي تعقب الثورات والهبات يمكن أن تعود إلى ممارسة ألوان فاقعة من الاستبداد والفساد، على غرار تلك التي زالت. وكأن مسيرة التاريخ هنا تنطبق عليها العبارة الشهيرة التي تقول: «كل الذين لعنوني، اتبعوا خطاي، ثم ترحموا علي».
أما عطاء المفكرين والعلماء والمبدعين فهو إن كان لا يحدث تغييرا سريعا، ولا تصاحبه جلبة وصخب، فإنه يسري في أوصال الحياة سريانا متواصلا، فيغير ما يسود بها تغييرا متتابعا.
وهذا المعنى ينطوي عليه مفهوم التقدم، الذي يعني الإيمان بإمكانية التحرك إلى الأمام سواء في الميدان الأخلاقي أو الاجتماعي، على أيدي أنصار التغيير والتجديد والتطوير، الذين يعملون على تمكين الجماهير من صنع القرار، وتخطي العقبات وإزاحة المؤسسات المعادية لإقامة مجتمع تسوده نسبة أعلى من التحرر والعدالة والديمقراطية.
وتذكر المعاجم والقواميس الحديثة أن المفهوم المعاصر للتقدم قد تطور مع نشوء الثورة الصناعية في القرنين السابع عشر والثامن عشر خلال معارك تصفية النظام الإقطاعي ونشوء الدولة القومية والنظم الرأسمالية. وكانت نظرية النشوء والارتقاء لتشارلز داروين، والنظريات الاشتراكية، بما في ذلك الاشتراكية العلمية لكارل ماركس.
لكن إمعان النظر في التاريخ الإنساني يكشف عما هو أبعد من هذا بكثير. فالإنسان لم يتوقف منذ بدء الخليقة عن الترقي في المعاش، ومحاولة السيطرة على الاحتياجات الطبيعية والمادية، التي تحول دون تطور القوى الإنتاجية في المجتمع، ومحاولة القضاء على المرض والجهل والاستبعاد والاستغلال.
ويحفل التاريخ البشري بمقاومين من هذا النوع، دفعوا حياتهم ثمنا لأفكارهم وتصوراتهم، أو تعرضوا لتعذيب شديد كي يتراجعوا عما يقولونه ويفعلونه، لكنهم أبوا، وتمسكوا بما تنطوي عليه جوانحهم وما يدور في عقولهم. وإذا كان البعض منهم لم يجد صدى أو نتائج سريعة لأفكاره على قيد حياته، فإن ما تركه لم يذهب جفاء، بل مكث في الأرض، وانتفع به الناس، حين ساعدهم على التخلص من عادات سيئة، وأفكار خاطئة.
وعلى هذه الجبهات الثلاث سارت مسيرة المقاومة في تاريخ البشرية كله، واختلف الناس حول الأسلوب الأنجع في هذا الشأن، أو تفاوتت تقديراتهم لأوزان هذه الجبهات وتأثيرها، لكن يبدو من المتفق عليه أن تلك الجبهات يكمل بعضها بعضا، ولا غنى عنها جميعا إن كنا نريد للغد أن يولد على أكف الحاضر عفيا قويا وجميلا.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة