من عاداتنا، نحن العرب، أننا دائماً ما نغض الطرف عن المشكلات الكبرى التي تواجهنا.

فكم من مشكلات هائلة تواجهنا على كافة المستويات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، لكننا نرجئ تناولها إلى أن تستفحل وتهددنا بشكلٍ هائل، وربما مدمر. ساعتها تنفتح شهيتنا للتعامل مع هذه المشكلات كما لو سقطت علينا من السماء، وكما لو كنا قد فوجئنا بها.

والغريب أننا دوماً نصدق أنفسنا ونتعامل مع هذه النوعية من المشكلات كما لو لم نكن نعلم عنها شيئاً، وكما لو أن العقلاء الذين أشاروا إلى ضرورة العمل على إيجاد حلول جذرية لتلك المشكلات مجرد أشباح نطالعهم في أحلامنا المزعجة.

ولا تتعلق هذه المسألة فقط بالمستويات المجتمعية الكبرى التي تقع على كاهل الدول والحكومات، لكنها تتجاوز ذلك إلى المستويات الصغرى، حيث المشكلات الفردية المرجأة التي يواجهها الأفراد في حياتهم اليومية ويتجاهلونها ليل نهار إلى أن تتحول إلى كوارث حقيقية تهدد مصائرهم.

ومن بين المشكلات المهمة والمصيرية التي تواجهها الدول العربية بعامة مشكلة الأقليات، أو لنقل بشكلٍ أكثر تحديداً مسألة الأقليات.

ففي ظل تردي الأوضاع العربية المعاصرة، وفي ظل حالة الضعف التي تنتاب الكثير من الدول في العالم العربي، وتلك الهجمة الغربية الشرسة على حاضر المنطقة ومستقبلها، أصبحت مسألة الأقليات على قائمة أولويات التناول سواء على المستوى المحلي العربي أو المستوى العالمي.

وفي الواقع فإن مسألة تجاهل المشكلات تنطبق تماماً على واقع الأقليات في العالم العربي. فقد نهض العرب من النوم عشية احتلال العراق، على وجه الخصوص، ليكتشفوا هذا الكم الهائل من الأقليات في العالم العربي.

بالطبع خلال ذلك الوقت، لم تنم الأقليات ولم يغفل لها جفن، سواء بسبب تعرضها للمظالم المختلفة، أو بسبب المطامح المختلفة التي تكتنف أفرادها أو المسئولين عنهم.

وفي الحقيقة فإن طرح التساؤلات هنا يمثل مسألة على قدر كبير من الأهمية حيث البدء في التعامل الرصين والهادئ مع المسألة، وفي ظل الأهمية القصوى لوجود دول وحكومات عربية قوية وأكثر حزماً تجاه قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية والسياسية.

إذاً فالمنطلق الأساسي الذي يجب أن يشكلٍ تناولاً حقيقيا لمسألة الأقليات هو تقوية الدولة والعودة بها إلى وضعية الهيبة التي يجب أن يحترمها الجميع طالما ارتكزت إلى أسس دستورية وقانونية حقيقية تدعم الأمن والسلم الاجتماعيين.

وفي هذا السياق فإن طرحنا للتساؤلات التالية ينبع من توجهات سوسيولوجية تنطلق من مشاهدات الواقع، المصري بالأساس، ومن متابعات فكرية وصحفية لأوضاع وتحولات الأقليات في عالمنا العربي.

إذاً فهي تساؤلات تنطلق من الواقع الاجتماعي المعاش، ومما تطالعنا به المواقع المختلفة من تقارير ومن بيانات مختلفة تتعلق بواقع الأقليات في العالم العربي، بما فيها الكتابات الخاصة والمرتبطة بالأقليات أنفسهم.

كما أنها ترتبط برؤية مستقبلية تؤكد على ضرورة التناول البحثي السوسيولوجي لواقع الأقليات والتحولات المختلفة المرتبطة بهم.

وهى تساؤلات لا تتعامل مع الأقليات من موقع انفصالهم عن السياق المحيط، رغم أن هذا هو توجه بعض الأقليات في العالم العربي، لكنها تنبع من تأكيد مسبق على تناول الأقليات في ضوء السياق الاجتماعي الأشمل والمؤثر عليهم وعلى تحولاتهم المختلفة إن بالسلب أو بالإيجاب. وتشمل هذه التساؤلات ما يلي:

- هل يمكن التعامل مع الأقليات في العالم العربي كتكتل واحد متجانس أم أنها تتسم بالتنوع والاختلاف؟

- هل تمثل الأقليات في العالم العربي شريحة أكثر تقدماً عن المحيط المتسيد، أم أنها تشكل في النهاية امتداداً لتخلف الواقع الاجتماعي العام والمحيط، بما يعني في النهاية أن تصور بعض الأقليات أنها تمثل جزراً أكثر تقدماً في العالم العربي هو محض أوهام مترسبة؟

- ما هي حقيقة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها الأقليات في الدول العربية؟

- وهل تواجه الأقليات في العالم العربي تمايزات فعلية على كافة المستويات المجتمعية، أم أنها تواجه تلك التمايزات في قطاعات بعينها دون أخرى؟ وما هي أشكال هذه التمايزات إن وجدت؟

- وهل تنطلق تلك التمايزات من موقف رسمي مسبق وعميق التوجه، أم أن هذه التمايزات لا تعبر عن حقيقة الموقف الرسمي وتوجهاته، بقدر ما تعبر عن سلوكيات الأفراد العاديين المنتمين للأغلبية ضمن ممارسات الحياة اليومية العابرة أو المستمرة؟

- هل يعبر الإعلان المستمر عن هموم الأقليات في العالم العربي عن عموم الجماهير التي تنتمي للأقليات أم أنها تعبر عن نخب هذه الأقليات أكثر من أي شيء آخر؟

- ما هي طبيعة التواصل بين جماهير الأقليات ونخبهم؟ وهل تعبر طبيعة تلك العلاقات عن انتماء مسبق للنخب وتوجهاتها أم انتماء للوطن وقضاياه؟

- هل تساهم التمايزات المختلفة التي يواجهها أبناء الأقليات في العالم العربي في التحول المستمر والمتراكم من الانتماء للوطن وقضاياه إلى الانتماء لقضايا وتوجهات ومشاريع النخب المسئولة عن الأقليات؟

- هل تتسم العلاقات بين نخب الأقليات بالتجانس أم أنها تتسم بالتعارض؟ وما هي نوعية السلطات التي تساعد هذه النخب على ممارسة تأثيراتها المختلفة على أتباعهم، وما هي درجة تأثيرها؟

- وهل تنبع تلك السلطات من مصادر دينية بالأساس أم أنها تستقي تأثيراتها من مصادر أخرى عديدة؟

- ما هو الدور الذي يقوم به المسجد من ناحية والكنيسة من ناحية أخرى في لم شمل أبناء الأقليات، وتحفيزهم أيديولوجيا وسياسيا للتعبير عما يمليه رموز النخب المعبرة عنهم؟

- وهل تمارس تلك المؤسسات بما لها من تأثير معنوي قوي أدوارها بالاتفاق مع الدول التي تنتمي لها؟ أم أنها هي ذاتها قد أصبحت دولاً داخل دولها، وما هي المؤشرات التي تدل على ذلك، سواء بالنفي أو بالإيجاب؟

- هل تمارس نخب الأقليات دوراً تقدمياً على الجانب السياسي وحقوق الإنسان يشمل الجميع أقلية وأغلبية، أم أن أدوارها تتسم بالبراجماتية من أجل كسب المزيد من الحقوق بغض النظر عن الانتهاكات الموجهة للآخرين بما فيهم أبناء الأغلبية أنفسهم؟

- ما هي حقيقة وطبيعة الأدوار التي يقوم بها أبناء الأقليات في الخارج؟ وهل تعبر تلك الأدوار عن فهم حقيقي لأوضاع الداخل، أم أنها تقوم بأدوار دعائية من أجل كسب مزيد من الحقوق والامتيازات، حتى ولو كانت تنتقص من مسائل مهمة مثل الأمن القومي والاجتماعي؟

- ما هي طبيعة الدول الأجنبية التي يستند إليها أبناء الأقليات المهاجرين في الخارج؟ وهل يتسم وجودهم في تلك الدول بالتنظيم أم لا؟ وما هي طبيعة المؤسسات المختلفة التي يؤسسونها وطبيعة توجهاتها؟

- وهل هناك تنسيق وتعاون بين المهاجرين في الخارج من أبناء الأقليات وبين نخب الأقليات في الداخل، أم أن الأمر كما تعلن تلك النخب ليس له علاقة بها؟

إن التساؤلات العديدة السابقة تستدعي المزيد من الدراسات السوسيولوجية الميدانية والتحليلية، بما يؤسس في النهاية لتأسيس أحد الفروع المهمة في علم الاجتماع، ألا وهو سوسيولوجيا الأقليات في العالم العربي.

ويستدعي ذلك جهوداً حثيثة من الجامعات والمراكز البحثية من أجل التعمق في هذا الفرع، بحيث تستند بحوثه إلى مادة ميدانية حقيقية تعبر عن آراء أبناء الأقليات والأغلبية على السواء.

كما يستدعي أيضاً جهوداً بحثية مشتركة بين باحثين ينتمون للأقليات من ناحية وللأغلبية من ناحية أخرى، الأمر الذي يحقق قدراً كبيراً من الموضوعية ومن الفهم الحقيقي لأوضاع الجميع الذين ينتمون في النهاية لوطن واحد حتى إشعار آخر!!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com