التغير المفاجئ في سياسة فرنسا الخارجية جاء بعد دخول نيكولا ساركوزي قصر الاليزيه وإظهاره صراحة عزمه على إحداث ثورة انقلابية في مبادئ فرنسا الدولية كان قد حافظ عليها معظم الرؤساء الذين أتوا بعد الجنرال شارل ديغول.
فهؤلاء ظلوا أوفياء لمبادئ هذا الأخير وتوجهاته السياسية القائمة على عدم الاندفاع في معالجة القضايا الدولية وباتباع سياسة متوازنة تحفظ مكانة فرنسا كدولة بنيت على الحرية والمساواة وهي السياسة التي اصطدمت أكثر من مرة مع توجهات الولايات المتحدة الأميركية في معالجة عديد القضايا الدولية اولها قضية الشرق الأوسط.
فقد أثارت سياسة فرنسا الشرق أوسطية، منذ السبعينيات، سخط وغضب الدوائر الأميركية حيث اتهمت فرنسا بوقوفها الى صف العرب على حساب المصالح الأميركية، وزادها جفاء موقف الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك الوفي للمبادئ الديغولية.
والذي لم يكن يتردد في الإعلان صراحة عن امتعاضه وسخطه الشديد لإدارة الولايات المتحدة الأميركية وتعاطيها مع الملفات الدولية حتى ان الرئيس الأميركي جورج بوش صرح ذات مرة بأنه يحارب على جبهتين جبهة ضد الإرهاب والأخرى ضد مواقف بعض الزعماء الأوروبيين المشككين في نوايا الإدارة الأميركية في حربها على الإرهاب والعراق.
وكان الكلام يعني شخص الرئيس الفرنسي جاك شيراك ، فرد الرئيس الفرنسي بشن هو الآخر حملة سياسية شرسة على إدارة جورج بوش ومن منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما ألقى وزيره للخارجية دومينيك دو فليبان خطابه الشهير الذي عبر فيه عن رفض فرنسا صراحة للحرب على العراق ، وردت الصحف الأميركية على الخطاب الفرنسي بوصف الرئيس جاك شيراك بالزعيم العربي الناطق بالفرنسية والمناهض للحرية والديمقراطية!
ولكن الرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي بخلاف سابقيه من الرؤساء، رغب في طي صفحة الحرب الباردة مع الإدارة الأميركية بانتهاج سياسة اقل ما يقال انها براغماتية عسى ان تعيد الدفء لعلاقات البلدين.
ومن يعرف ساركوزي يقول إنه رجل يعرف أين يضع قدميه وينتصر دوما في المعارك السياسية التي يخوضها وهو ديغولي له تطلعات كبرى تتجاوز حدود فرنسا ذاتها ويعرف أكثر ان حالة العداوة والجفاء مع الإدارة الأميركية وفي هذا الوقت بالذات الذي يمر به العالم بمرحلة مخاض لن تخدم مشاريعه وتطلعاته المستقبلية.
وانما هو بحاجة الى سند ومظلة تخرج فرنسا من حال الجمود الذي افقدها هيبتها ومكانتها كدولة نووية يتعين ان تشارك بفعالية في إدارة النزاعات الدولية الى صف الولايات المتحدة الأميركية.
الرئيس الفرنسي يعرف ايضا ان فرنسا بسياستها التقليدية العقيمة فقدت مصالحها التاريخية وسوف تخسر الكثير اذا تمادت في نومها السياسي بينما تسعى دول أخرى كالمانيا وروسيا الى لعب الأدوار الأولى بقول كلمتها وإظهار مواقفها من الملفات الدولية.
ولذلك لم يكن غريبا ان يختار الرئيس الفرنسي وجهته السياحية الأولى الولايات المتحدة الأميركية ولم يمض أكثر من عشرة أيام على انتخابه رئيسا حتى ظهر في عديد من الصور بلباس الجينز وهو يمتطي صهوة جواد على طريقة الكاوبوي الأميركية.
حينها وصف احد الاشتراكيين الفرنسيين الرئيس ساركوزي بالفرنسي الذي ينتمي الى المحافظين الجدد ويحمل جوازا أميركيا!! فهو شبيه المواطنين الأميركيين القدامى الذين هاجر آباؤهم من اوروبا الى الولايات المتحدة وكونوا أنفسهم ومنهم من شق طريقه السياسي ووصل الى مناصب عليا.
كما هو حال الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ذي الأصول الايرلندية وحاكم كاليفورنيا أرنولد شوارزينجر القادم من النمسا، وهاهو الرئيس الفرنسي الذي ينتمي الى الأصول المجرية يثبت قدميه بعد حياة سياسية حافلة بالمعاناة بدأت منذ أن كان شابا مناضلا بسيطا يلصق منشورات الحزب في الشوارع الى ان وصل الى قصر الاليزيه وما زال طموحه كبيرا في الوصول الى عرش اوروبا.
لكن هل ينجح ساركوزي فيما يسعى اليه أوروبيا ودوليا؟ خصومه السياسيون بدأوا يتذمرون من سياساته الدولية والتي يقال إنها جاءت على حساب الملفات الداخلية كالبطالة والهجرة غير الشرعية وتباطؤ النمو الاقتصادي، فكان من الأنسب- حسب هؤلاء الخصوم- أن يركز ساركوزي على معالجة الوضع الداخلي اولا قبل ان يلتفت الى الوضع الإقليمي.
فهل يتمكن ساركوزي من إصلاح الوضع الداخلي وفي المقابل يرمي بثقله في الملفات الدولية، فنجاحه يعني تحقيق معجزة وربما تحوله المعجزة الى بونابرت عصره تمجده فرنسا هذا اذا علمنا ان الرئيس الفرنسي يتقارب في طوله من طول الإمبراطور بونابرت القصير القامة والذي يمجده الفرنسيون لانتصاراته البطولية.
كاتب جزائري