على الطريق الترابية التي تصل بين بيتي وبين مسجد الحي، كانت خطاي تشق بي عتمة الليل على حافة الطريق، قفزت أنوار سيارة إلى المشهد الأمامي، رفعت كفي لأحمي عيني من الإضاءة القوية المنبعثة من مصباح السيارة، كانت السيارة تلتهم الطريق الترابية ثم انحرفت فجأة جهة المسجد، عندما توقفت تبعتها سحابة كثيفة من الغبار الذي خيّم على المكان لعدة ثوان؛ كان فضولي قد افترس كل عدم الاكتراث الذي حاولت جاهدا الاحتفاظ به.

والمسافة بيني وبين المسجد كانت كافية لإرضاء ذلك الفضول؛ هدأ هدير السيارة وترجّل منها شخص في متوسط العمر، سمين بعض الشيء، له لحية كثة وثوب يصل إلى منتصف ساقيه، أقفل أبواب سيارته بمفتاح التحكم عن بعد وبصق على الأرض، رجلاه ويداه كانت تتحركان متباعدتين وهو يأخذ طريقه بخطى سريعة إلى ساحة المسجد، انتعل هناك نعالا مطاطية بدلا من نعاله ومضى إلى مكان الوضوء.

بعد عدة أيام، كان خطيب الجمعة ـ خلال أقل من دقيقتين على بدء الخطبة ـ قد أجهز على كل الحيوية والتشوّق اللذين جئت بهما معي إلى المسجد، وما كاد يستنفد زمن الخطبة إلا وغبار الزمن القديم قد تراكم على رأسي، وأحسست ببرودة الصقيع على أطرافي، وتعبت جياد سمعي من ملاحقة طرائده التي تفرقت يمينا وشمالا أو تكسرت سهامي على هياكلها الصخرية.

حاولت أن أقاوم نجاحه في تبديد كل قدرتي على التركيز ففشلت، ومع ذلك لم أتخل عن بصيص من الأمل في أن يضفي على موضوع خطبته عن الصلاة قليلا من الإثارة بالحديث عن معانيها ودروسها وثمراتها، والحكمة من قيامها وركوعها وسجودها، وماذا يفعل المصلي ليستجمع الخشوع والخشية واستحضار عظمة الله أثناء صلاته، ولكن النداء بإقامة الصلاة كان أسرع إلى إيقاظي من أحلام يقظتي.

بدأت أبحث عن الخطوط الواصلة بين الحادثتين، فوجدت المشكلة - بكثير من التبسيط - تكمن في جانبين:

الأول: أن منظومة البناء الديني عند بطل القصة الأولى متمثلة في التصورات والمفاهيم والقيم الإسلامية غير ناضجة، وأن ماهية التغيير والتأثير الذهني والخُلُقي الذي يستوجبه دينه غير مفهومة عنده، وأن كيفية تفعيل الدين وتطبيقه عمليا على سلوكه حتى يستشعر نتائجه ويحقق في نفسه نموذج المسلم العادي (العامل) وصولا إلى المثالي (الأحسن عملا) غير واضحة، وكأنه لم يسمع أو يقرأ قول الحق: (قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها) (الآيتان 9 و10، سورة الشمس).

والجانب الثاني، أن الأساليب والأدوات البنائية والإصلاحية والجمالية التي يستخدمها بطل القصة الثانية في نقل المعرفة والمعلومات العقائدية والمفاهيم والقيم الدينية إلى بطل القصة الأولى ليست بالفاعلية والقدرة التأثيرية اللازمة لتكوين الفهم أو تحريك الدافع أو إثارة الاهتمام للمبادرة الذاتية في سبيل تهذيب النفس وتزكيتها وصولا إلى مرحلة النموذج المثالي.

والخطاب الديني الذي يستخدمه سطحي وجامد وغير مؤثر، ولغته شديدة العسورة؛ ومع ذلك فهو يتحرك بلا رؤية ولا منهجية ولا خريطة هيكلية ولا أهداف كمية وزمنية محددة، وكأنه لا يعي المقصود بما يقرأه ويردده للناس من القرآن: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة..) الآية 108، سورة يوسف.

هذا القصور أو العجز في نقل المعرفة والمعلومات العقائدية والمفاهيم والقيم الدينية وفي تلقّيها من الجانب الآخر هو الذي أنشأ أجيالاً مشوهة إيمانياً وسلوكياً، وتسبّب إما في بذر نواة الفكر الخارجي عندها، وهو الذي ولّد بالتالي التطرف والغلو، لأنه فكر يهتم بالشكل على حساب الجوهر، يختصر الدين في المغالاة بالمظاهر والشعائر التعبدية، دون وعي أو فهم أو استيعاب لمدلولاتها.

وعلى هذا فإن بطل القصة الأولى - في نظري - هو ضحية بطل القصة الثانية، لأنه أوصله إلى البئر ثم تركه دون أن يعلّمه كيف يستخرج الماء، وهكذا هو حال معظم الدعاة والعلماء والمربّين والآباء اليوم، فهم يعتقدون أن مسؤوليتهم تنتهي بإلقاء المواعظ والخطب والدروس، ويبقى على الجماهير والطلبة والأبناء فهم معاني آيات القرآن والأحاديث النبوية واستنباط مقاصدها وأحكامها الفقهية وأصولها وقواعدها الكلية والجزئية.

ويغيب عن أذهانهم أن عامة المسلمين اليوم بسبب رداءة مستويات التعليم وضحالة المادة الإعلامية وتفاهتها وعزوف الناس عن مصادر القراءة والثقافة والتعلم لا يكادون يفهمون المعاني السطحية والظاهرة من الكلام، فأنّى لهم أن يغوصوا إلى أعماق نصوص القرآن والسنّة النبوية؛ ولهذا فإن مَن يعتنق الإسلام أو من يتطلع إلى تنمية ثروته الدينية أو يقبض على دينه في الزمن الذي جعل منه جمرا، يحتاج إلى من يعلمه الإسلام ومفاهيمه وتصوراته وقيمه.

وكيف يمارس عباداته وأخلاقه وآدابه وسلوكياته بأدق التفاصيل وبكل الاهتمام، وباستخدام الوسائل والأدوات التربوية والنفسية الحديثة التي تساعده وتدربه في الوقت نفسه على الفهم وعلى إصلاح القلوب والأنفس والأخلاق، وماهية الثمرات الدنيوية التي سيجنيها، ولا يكفي تجميل نوع الثواب أو تبشيع نوع العقاب الذي ينتظره في الآخرة.

هذا المأزق تتحمل مسؤوليته أربعة أطراف، الأول: هو المسلم نفسه، لأنه غير معذور في المبادرة الذاتية لتكوين ثروة ولو صغيرة من حفظ القرآن أو التفقه في الدين أو تدريب النفس على السلوك الإيجابي.

والثاني: هو المدرسة لأنها المحضن الأول والانطباع الأول والمزرعة الأولى لنواة التكوين الفقهي والسلوكي، وهذا الدور الخطير بأمسّ الحاجة إلى منهج ديني متطور، وإلى مربّ يمتلك القدرات والمهارات التربوية.

والثالث: هو المسجد لأنه المؤسسة الروحية التي يتعلق بها قلب المسلم ويعتقد موقنا دائما أن ضالته موجودة فيه دائما، ويكون استعداده للتلقي فيه أكبر من سواه، وأنه المكان الذي يستحضر فيه أقصى طاقته من الصفاء الروحي والسلوكي.

والرابع: هو الإعلام الذي اقتحم على الناس مخادعهم، واستغل ذلك ليبث غثاءه عليهم ليل نهار، فهو مسؤول اليوم عن التوبة من جرائمه والندم على آثامه واستغلال قدرته على الوصول إلى الناس ليساعد على إعادة بنائهم الأخلاقي والسلوكي.

إن النجاح الإصلاحي للمؤسسة الدينية أو التعليمية أو الأسرية لا يقاس بعدد الذين تجتذبهم لارتياد المساجد أيام الجُمع، بل بأمانة خطابها التربوي والديني وبمصداقيته وتأثيره، وببراعتها في تطويع الأساليب والأدوات التربوية الحديثة، وبالمستوى النوعي لمخرجاتها المزوّدة بالثقة والدافعية للمبادرة والقدرة على التأثير التغييري بدءاً من دائرة الذات إلى دائرة المحيط الأسري وانتهاء بدائرة المجتمع.

وكما انكب المستشارون الهندسيون وعلماء الدين وخبراء الحركة والأخصائيون النفسانيون في مجهود جماعي جبار لابتكار حلول إبداعية لحركة أجساد الحجاج على المشاعر المقدسة، فإن خطبة الجمعة التي مارست وظيفتها بنجاح على امتداد تاريخ الإسلام كتقرير أسبوعي لحال الأمة الإسلامية لا تقل اليوم حاجة عن تكثيف للمجهودات الجماعية الجبارة والدراسات العلمية المتعمقة في الجوانب الفقهية والنفسية والاجتماعية واللغوية والتربوية لابتكار حلول وأساليب إبداعية لحركة عقول المسلمين وقلوبهم.

تنقل خطبة الجمعة نقلة تاريخية جريئة من حالة عجزها وقصورها المعنوي والوظيفي، لتصبح عاملاً أساسياً في بناء الشخصية وبناء العقلية وبناء السلوك، ومصدراً أساسياً للوعي ولفهم التحديات والمتغيرات التي تحيق بالأمة أو تؤثر في مصيرها ومستقبلها، ومحور التفاف للمسلمين حول نقاط اتفاقهم والتقائهم ونبذ الغموض والغبش والشطط الذي يحيط بنقاط اختلافهم وتمزقهم.

تحتاج خطبة الجمعة باعتبارها شكلاً من أشكال الخطاب الديني إلى إنعاش دورها ومقدرتها التأثيرية من خلال حقنها بعناصر الجاذبية والتشويق والإقناع، وإلى تنويع الأطروحات وجعلها أكثر معايشة للواقع، وإلى التركيز في الطرح وتناوله من جزئياته المختلفة بدلاً من تشتيت الأذهان في الإكثار من الأطروحات في الخطبة الواحدة.

وإلى شحنها بعوامل الفاعلية من الأساليب والأدوات التطبيقية التي تمكّن المتلقي من استخدامها عملياً بدلاً من تركه فريسة لتجارب الخطأ والصواب، وإلى مساعدته على فهم الدروس والعبر مما لا يسعفه الوقت أو المقدرة الفقهية والذهنية أو مشاغل الحياة على استنباطه ومعرفته من تلقاء نفسه، وإلى تعميق مفعولها الإيماني والسلوكي والعاطفي عنده ليحوّل هذا المفعول بدوره إلى ممارسة وإنتاج إيجابي.

كاتب إماراتي