لأنه لا سياسة بلا نظرية، ولا نظرية صحيحة بلا خبرة علمية مجربة ومعممة، فإن النظريات الفكرية الاجتماعية أو السياسية لا يمكن أن تكون نظريات ما لم تكن صحيحة، ولا يمكن أن تكون صحيحة ما لم تكن عامة، ولا يمكن أن تكون عامة ما لم يصح تطبيقها على كل المجتمعات الإنسانية، ولا يمكن تطبيقها على كل المجتمعات ما لم تكن متكاملة.

إنها في معظم الأوطان أو الأزمان قد تكون صحيحة لكنها في بعض الأوطان أو الأزمان لا تجيب على كل تساؤلات الإنسان ولا تلبي كل حاجات الإنسان المادية والمعنوية والروحية في كل عصر ومصر وفى كل زمان ومكان، وبهذا تفقد شرطا من شروط النظرية غير الدائمة أي غير العامة.

صحيح أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكن الصحيح أيضا أنه بدون خبز لا يمكن أن يعيش الإنسان، وإذا كان كل معنى في طرفي المعادلة صحيح إلا أنه يظل دوما بحاجة لاستكمال طرفه الثاني، بحيث يصبح القول الأصح هو«لا عيش بلا خبز، ولا حياة بالخبز فقط».. فمن البديهيات أنه لا يستطيع الإنسان مجرد العيش دون خبز، ومع ذلك فمن الأكيد أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

لكن يظل الفارق كبيرا بين أن نعيش أو أن نحيا، إذ يكفى للعيش التعامل مع الإنسان ككائن بيولوجي يكفيه الخبز والماء والهواء والجنس مثله مثل الأرانب والدجاج، بينما الحياة أمر أكبر وأوسع بكثير عن معنى العيش.

إذ أنها تتعامل مع الإنسان باعتباره كائنا متكاملا ذا جسم وذا عقل وذا روح، وكائنا حيويا اجتماعيا روحيا له بيولوجيته وأيديولوجيته وسيكولوجيته ولا بديل لجانب عن الآخر.

هل هو حديث عن البديهيات المعروفة؟.. أم هو تنظير جديد لا معنى له فيما تم تنظيره من قبل؟!.. وأقول لا، ليس تنظيراً جديداً ولكن تكامل بين رؤية العين اليمنى مع رؤية العين اليسرى لتأكيد ضرورة النظر للأمور بعينين اثنتين وليس بعين واحدة.

ومعناه ومبتغاه محاولة تفعيل هذا التنظير الصحيح لكنه الغائب في تكامله في الأفكار والسياسات العالمية والوطنية المطروحة علي المجتمعات المختلفة ومن بينها مجتمعاتنا، فلا أفعال بلا أقوال، ولا سياسات بلا نظريات إنه محاولة للتذكير بالبديهيات غير المعروفة لدى البعض.

ربما أقول ذلك لا لتأكيد المؤكد لدى الذين ينظرون إلى الأمور بعينين اثنتين وليس بعين واحدة، ولكن لتأكيد غير المؤكد لدى بعض النظريات والسياسات في نظرتهم للإنسان وفى تقييمهم للحياة الإنسانية.

مشاكل كل المجتمعات والأوطان التي شاهدناها ونشهدها إنما هي نتيجة للنظرة الأحادية، أو للصراع المفتعل وغير المنطقي بين الثنائيات المتكاملة، وغياب النظرة الثلاثية المادية والمعنوية والروحية المتكاملة لمكونات الإنسان الفرد والمجتمع.

ونتج عن ذلك صراع لا معنى له بين الثنائيات التي قد تبدو بسوء الفهم متضادة لكنها بحسن القراءة قد تكون متكاملة وإحداها ليس بديلا عن الأخرى، ولهذا لا ينتهي مثل هذا الصراع بانتصار أحداهما بصورة مطلقة، بل غالبا ما ينتهي بانتصار رؤية ثالثة ليست بعيدة عن كلا الرؤيتين بل تكاملا بين جوانبهما الصحيحة والضرورية ولكن بنسب مختلفة.

شهدنا مثلا صراعات بين نظرية البطل التي تقوم على أن أولوية دور الفرد على دور المجتمع ومصلحة الفرد وحرية الفرد تؤديان إلى مجتمع الأبطال وهى التي تمجدها الفلسفة الرأسمالية وهو ما يبدو في جانب من جوانب الصورة صحيحا.

وبين نظرية المجتمع التي تقوم على أنه لا أفراد أحرار ولا أقوياء ولا أصحاء إلا في مجتمع حر وقوى وصحيح وأن إعلاء حقوق المجتمع على حقوق الفرد يؤدى إلى ضمان حرية ومصلحة حقوق كل فرد وهو ما تتبناه الفلسفة الاشتراكية وهو ما يبدو في الجانب الآخر من الصورة صحيحا أيضاً.

ومع ذلك نتج الصراع بين الفلسفتين بوضع الحرية السياسية كنقيض للعدالة الاقتصادية، أو بوضع العدالة الاجتماعية كنقيض للحرية السياسية والاقتصادية.. وهذا غير الصحيح، فالحرية حق والعدالة حق، لكن الحرية لابد أن تقابلها مسؤولية العدالة، والحقوق لابد أن تقابلها الواجبات، وأحدها ليس بديلا عن الآخر.

mamdoh77t@hotmail.com