الاستحقاق الرئاسي في لبنان، يجتاز لحظات مخاضه الحاسمة. ترجمته صارت محكومة بمدة زمنية صارمة: أسبوع واحد لا غير؛ إذا ما كان لولادته أن تتم بصورة دستورية؛ تكون محطة انطلاق للملمة الوضع والبدء في طي صفحة الأزمة المنهكة. قد تبدو فسحة أسبوع كافية لإجراء العملية القيصرية.
خاصة أنه يشرف عليها مجمع أطباء طويل عريض؛ محلي وعربي ودولي. لكن بالنسبة للحالة اللبنانية الراهنة، بتعقيداتها وزئبقيتها المعروفتين، هي فسحة ضيقة بل ضاغطة.
بالتالي هي تستدعي استنفار كل ما بقي في المخزون اللبناني والعربي، من جهود وأوراق وإمكانيات لتوظيفها في الجولة الأخيرة قبل نفاد المهلة. فالبلد بدأ العدّ العكسي النهائي الفاصل بين احتمالين. لقد دخل في سباق غير متكافئ مع الزمن. والنتائج لا تحتمل إعادة النظر أو المراجعة. ناهيك بالمجازفة.
فإما أن تؤدي الوساطات والتحركات والصيغ المطروحة إلى انتخاب رئيس جديد؛ وإما أن يفوت الموعد ـ منتصف ليل الثالث والعشرين من نوفمبر الجاري، من دون التوصل إلى توافق حول المرشح المقبول.
أبيض أو أسود. اللون الرمادي لا مكان له؛ إذا ما كان المطلوب الخروج من غرفة العمليات بسلامة. والخشية أن الإشارات المتواترة من هذه الغرفة تميزت، خلال الأيام الأخيرة، بالتذبذب الشديد. انتقال سريع من بارد إلى ساخن؛ وبدرجات عالية، موجة من علامات الانفراج والتطمين؛ تعقبها موجة فورية من المؤشرات النقيضة.
وكان يمكن التعامل مع هذه الهبات المتضاربة من دون تحميلها الكثير من التفسيرات المقلقة؛ لولا مسألة الوقت والاقتراب من ساعة الحقيقة.
الدخول الفرنسي الأخير على خط الاستحقاق، أرخى، في ضوء ما توصل إليه، مسحة من الارتياح العام. خاصة وأنه حظي بالدعم والتأييد العريضين؛ لبنانياً وعربياً ودولياً. بلوغه مرحلة وضع آليات، بدت أن الطرق سالكة أمامها؛ أشاع الانطباع، المشروع، بأن ليل الأزمة الطويل والمؤرق، قد بدأت عتمته تنجلي. لكن ما إن أخذت أجواء الاسترخاء تشق سبيلها، حتى بدأت ملامح التعثر تطل من جديد.
انتقلت العقدة من الترشيح والنصاب والتوافق إلى ضرورة توفير الضمانات لإجراء الانتخاب. مرة أخرى ساد الاعتقاد أن ثمة عوائق لا تزال قائمة. والبعض يقول ألغاماً. في أقله هناك محاذير، وربما تخوفات. أو في أقل الأقل هواجس، وكل ذلك يحصل في لحظة إلحاح الوقت.
الساعات الأخيرة شهدت ولا تزال، هجمة تسريع. الأمين العام للأمم المتحدة يصل بيروت؛ لهذا الغرض. ومن المتوقع أن يتبعه الأمين العام للجامعة العربية؛ ثم عودة مرتقبة، مع مطلع الأسبوع لوزير خارجية فرنسا.
هذا عدا عن الحراك الداخلي المكثف وما يرافقه من تواصل واتصال دبلوماسي، عربي ودولي، في بيروت. لكن كل ذلك، مع أهميته وفعاليته، قد يبقى عاجزاً عن تحقيق المطلوب إذا لم يبادر اللبنانيون في هذه اللحظات الفاصلة والمصيرية إلى اتخاذ الخطوات والمواقف اللازمة الكفيلة بإعفاء بلدهم من شرب كأس الوقوع في المجهول، وذلك بالرغم من كافة الاعتبارات والحسابات الأخرى.
إذا كانت العملية لعبة عض على الأصابع فاللعبة انتهت. وإذا كان البلد على المحك وهو كذلك، فإن لحظة الإنقاذ تدق الأبواب. ولن ينفع اللبنانيين أي شيء آخر إذا خسروا هذا الرهان.
