أكد الرئيس محمود عباس في كلمته أمام عشرات آلاف الفلسطينيين خلال الاحتفال بالذكرى الثالثة لرحيل الرئيس الشهيد ياسر عرفات على تمسك الجانب الفلسطيني بخيار السلام، وقال إن المؤتمر الدولي الذي سيعقد في أنابوليس أواخر الشهر الجاري يشكل فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في الشرق الأوسط أساسها قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
إن الموقف الفلسطيني الرسمي والواضح يوجه رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن الجانب الفلسطيني لا يزال يتمسك بخيار السلام ويمتلك الشجاعة اللازمة لصنع سلام حقيقي مع إسرائيل ويتبنى الآليات اللازمة لصنع السلام على أساس المرجعيات الفلسطينية والعربية والدولية.
ويكتسب هذا التأكيد أهمية خاصة اليوم في الوقت الذي تجري فيه الاستعدادات لعقد المؤتمر الدولي للسلام في أنابوليس، هذا بالرغم من أن الشعب الفلسطيني لا يزال يعاني من الاحتلال والحصار والحملات العسكرية والاستيطان وينتظر من المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل للقبول بالسلام المتوازن على أساس قرارات الشرعية الدولية وحقه الثابت في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
ولذلك فإن المطلوب الآن حتى تنجح جهود السلام وحتى يحقق مؤتمر أنابوليس إنجازاً جوهرياً لصالح شعوب الشرق الأوسط ولصالح الأمن والسلام العالميين استجابة إسرائيلية واضحة عبر الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على ترابه الوطني وحل جميع القضايا العالقة والمعروفة بقضايا الحل النهائي خاصة المتعلقة بالقدس واللاجئين والمستوطنات لأنها تشكل المحاور الأساسية للقضية الفلسطينية.
كما أن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي هو جزء لا يتجزأ من الصراع العربي - الإسرائيلي وبالتالي فهو يتطلب استعداداً إسرائيلياً للانسحاب من الأراضي العربية الأخرى المحتلة سواء السورية أو اللبنانية حتى يمكن إرساء دعائم سلام شامل ودائم في منطقة الشرق الأوسط.
وهذا الأمر يتطلب شرطاً حضور سوريا ولبنان في مؤتمر أنابوليس ووضع هضبة الجولان المحتلة ومزارع شبعا اللبنانية على طاولة المفاوضات، ولكن حقيقة الأمر أن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لم تكن في يوم من الأيام تثق بالسياسة الإسرائيلية التي أثبتت منذ ستة عقود أنها سياسة عنصرية حاقدة تمارس القتل والسلب والتهجير والخداع وتستخدم تكتيك المماطلة والمراوغة من أجل كسب الوقت الذي يمكنها من خلق حقائق متجددة على الأرض العربية.
كما أن السياسة الأميركية شرق الأوسطية خسرت مصداقيتها طوال هذه العقود بسبب مواقفها المنحازة تماماً لإسرائيل من جهة وبسبب تغاضيها عن تطبيق القرارات الدولية الكثيرة المتعلقة بالقضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة من جهة أخرى. بل أن الإدارات الأميركية المتعاقبة استخدمت كل وسائل السلمية والدبلوماسية والعسكرية ضد دول عربية من أجل ممارسة الضغوط اللازمة لإجبار الدول العربية على القبول بالشروط الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بعملية السلام.
وفي السنوات الأخيرة نجحت إدارة الرئيس بوش لا سيما بعد 11 سبتمبر 2001 واحتلال العراق عسكرياً من فرض هيمنتها على المنطقة بأكملها وتعاظم دورها السياسي المباشر وأصبحت قادرة على التدخل في الكثير من التفاصيل السياسية السيادية للعديد من الدول العربية.
وهي الآن تمارس هذا الدور بوضوح في لبنان الذي يقف أمام استحقاق رئاسي لا يمنع تحقيقه إلا الموقف الأميركي الرافض لأي توافق لبناني - لبناني. أما في فلسطين المحتلة فقد أصبح واضحاً أن فريقاً في السلطة الفلسطينية مرتهناً للإرادة الأميركية التي تمارس الضغوط بكل أنواعه وأشكاله من أجل منع أية حوار وطني جدي لاستعادة الوحدة الوطنية التي هي الرأسمال الحقيقي المتبقي للشعب الفلسطيني بعد ضياع الأرض وتهجير الشعب وتدنيس المقدسات.
نتساءل بجدية وأمانة: كيف يثق المفاوض العربي والفلسطيني بالمواقف الأميركية والإسرائيلية تجاه عملية السلام التي انطلقت بشكل رسمي عام 1992 وبشكل غير رسمي منذ عام 1988 عندما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية قبولها بالقرار الدولي 242 واستعدادها بالاعتراف بإسرائيل وبدأت حوارها ومفاوضاتها مع إدارة الرئيس رونالد ريغان؟
والتساؤل الآخر: ما الذي اختلف الآن أو ما هي المتغيرات الحقيقية التي ستجبر إسرائيل على تقديم تنازلات جوهرية تتطابق مع الحدود الدنيا للحقوق الوطنية الفلسطينية التي حددتها المرجعيات الفلسطينية والعربية والدولية؟
الاحتمال الأول هو أن الرئيس الأميركي بوش يحتاج إلى إنهاء رئاسته للولايات المتحدة بعمل إيجابي في الشرق الأوسط يمنحه شرف الدخول في صفحات التاريخ كصانع سلام حقيقي لا سيما بعد فشل إدارته الكبير والمخزي في مشروعه الاستعماري في العراق، وهزيمة إسرائيل في لبنان، وصعوبة التعاطي مع الملف الإيراني في الفترة القصيرة المتبقية لإدارته. كما أن الرئيس الأميركي سيحاول إصلاح صورة الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه للتمهيد للانتخابات الرئاسية في العام القادم.
الاحتمال الآخر هو أن الإدارة الأميركية تحتاج إلى نجاح سياسي تكتيكي في المسار الفلسطيني - الإسرائيلي من أجل التحضير لحرب قوية حاسمة ضد إيران تحقق الأهداف الأميركية والإسرائيلية في ضرب كل أو معظم القدرات النووية الإيرانية وإحداث اضطرابات داخلية في إيران تقود إلى زعزعة الاستقرار الإيراني.
أما الاحتمال الأخير هو أن تثبت إدارة الرئيس بوش عدم قدرتها على شن حرب أخرى في المنطقة لأسباب تتعلق بالمستنقع العراقي الواحلة فيه والأوضاع الداخلية السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة والرفض الدولي لأية حرب جديدة في المنطقة خاصة من روسيا والصين وبعض الدول الأوروبية.
وتثبت أيضاً أنها عاجزة عن تحقيق السلام الشامل والمتوازن في المنطقة بسبب عدم رغبتها ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لحملها على تطبيق القرارات الدولية إما لأسباب سياسية داخلية إضافة إلى الضغط المؤثر للوبي اليهودي في واشنطن على السياسة الخارجية أو لأسباب ايديولوجية مارسها ويمارسها أقطاب أساسية في الإدارة الأميركية وفي مقدمتهم نائب الرئيس ديك تشيني.
إذن لا بد للمفاوض العربي وخاصة الفلسطيني أن يتسلح بأسلحة المعرفة والحنكة والدهاء وحسن التصور مع الخصم أو الخصوم وبالوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني والتنسيق العربي - العربي قبل الذهاب إلى أنابوليس. في هذا السياق لا بد من التذكير إلى أهمية إحياء المثلث السعودي - المصري - السوري الذي كان يشكل صمام الأمان لمعظم القضايا العربية وخاصة الصراع العربي - الإسرائيلي.
إن الملفات الفلسطينية المطروحة للتفاوض وعلى رأسها القدس واللاجئين هي ملفات غاية في التعقيد إلى درجة يقترب أي محلل سياسي أو عارف بالشأن الفلسطيني من اليقين أن إسرائيل تكذب حول نواياها المعلنة لتحقيق السلام مع الفلسطينيين.
فالقدس الشرقية التي احتلت عام 1967 هي ليست نفسها اليوم أو التي يريد الإسرائيليون التفاوض عليها. في القدس الشرقية المحتلة منذ عام 1967 يستوطن أكثر من 220000 يهودي في الوقت لا يتجاوز عدد الفلسطينيين 200000 .
فهل يقبل الإسرائيليون أن يتفاوضوا مع الفلسطينيين حول إزالة هذه المستوطنات في المدينة المقدسة؟ طبعاً يجب أن لا ننسى أن إسرائيل رفضت طرد 400 مستوطن إسرائيلي من مدينة الخليل في الضفة الغربية بالرغم من اتفاقات أوسلو وأجواء السلام التي سادت في العقد الماضي.
أما بالنسبة لقضية اللاجئين فهناك توافق تام بين جميع الأحزاب السياسية حول عدم السماح للفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم في فلسطين 1948 لأن ذلك سيهدد أمن ووجود الدولة العبرية.
ومؤخراً بدأنا نسمع تصريحات جادة من المسؤولين الإسرائيليين وعلى رأسهم رئيس الوزراء ايهود أولمرت حول ضرورة قبول الفلسطينيين بـ «يهودية الدولة» الإسرائيلية إذا ما قبلت إسرائيل بولادة الدولة الفلسطينية التي لا يعرف حتى الآن مساحتها الحقيقية.
وهذا يعني أن إسرائيل تريد إغلاق ملف اللاجئين وإلغاء القرار الدولي 194 المتعلق بهذا الملف.وقد يعني أيضاً أن الشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر أو جزء منه قد يتعرض للتهجير «الشرعي» إذا ما قبلت السلطة الفلسطينية بهذا الأمر.
إن مؤتمر أنابوليس للسلام أشبه ما يكون حتى الآن بالحلوى المعروفة بـ «غزل البنات» أو «شعر البنات» التي تتصف بحجمها الكبير ولكن سرعان ما أن تذوب في الفم لأنها عبارة عن بعض حبيبات السكر لا أكثر ولا أقل.
كاتب وباحث سياسي