من الخطأ الشائع تصور أن ارتفاع أسعار موارد الطاقة من النفط والغاز يحمل الخير دائما للمنتجين والعكس للمستهلكين، وأزمات النفط التي تعرض لها العالم على مدى نصف قرن مضى تثبت أن المنتجين لم يستفيدوا كثيرا من زيادة أسعار النفط والغاز، ولم تنعكس هذه الزيادة والعائدات الهائلة بشكل واضح على المجتمعات المنتجة التي لم نر منها من صعد لمصاف الدول القوية اقتصاديا والقادرة على الاستغناء في المستقبل عن الاعتماد على عائدات بيع الطاقة.

في الوقت الذي نرى فيه الدول الصناعية الكبرى وشبيهاتها من الدول المستهلكة بشكل كبير للطاقة قد استفادت من دروس أزمات الطاقة وذهبت ترشد الاستهلاك، وتطور مصادر الطاقة البديلة، وزادت معدلات التنمية فيها بشكل ملحوظ،والأزمة الأخيرة التي شهدت ارتفاعا ملحوظا في أسعار النفط تعكس ما نقوله بوضوح، فقد استقبلتها الدول الصناعية الكبرى بهدوء تام.

بينما لا حظنا اضطرابات في أسواق الدول المنتجة وظهور بوادر تضخم اقتصادي وارتفاع حاد في أسعار السلع والمواد الاستهلاكية بشكل يعاني منه مواطنو هذه الدول أكثر بكثير من مواطني الدول الصناعية الكبرى الذين اعتادوا التعامل مع هذه الأزمات بشكل تلقائي لا يؤثر على حياتهم اليومية.

لقد تجاوز سعر النفط حاجز الـ 98 دولارا للبرميل الواحد. ويكلف «الذهب الأسود» اليوم أكثر مما في أيام أزمة الوقود الأولى عام 1973 (حسب الإحصاء بالأسعار القابلة للمقارنة) ويقل سعره اليوم بمقدار عشرة دولارات فقط عن الرقم القياسي المسجل عام 1980.

مع العلم بأن ضرب الرقم القياسي التاريخي يحتمل قبل حلول نهاية العام الجاري. بيد أن مثل هذه التخمينات لا تثير ذعرا شاملا ذلك لأن العالم الغربي باعتباره مستهلكا رئيسيا للمحروقات تعود تماما على العيش في ظل غلاء النفط خلال الثلاثين سنة الأخيرة.

ولم يذهب سدى تهديد تركيا بشن هجوم على ميليشيات حزب العمال الكردستاني المتحصنة في شمال العراق والهبوط الجديد لسعر صرف الدولار، وردت السوق العالمية عليهما بارتفاع جديد لسعر النفط. ومنذ أيام ارتفع سعر النفط في مداولة البورصة الإلكترونية في نيويورك إلى 98 دولارا للبرميل الواحد.

ويتنبأ محللون بأنه سيستقر في نهاية العام الجاري على مستوى 90 - 100 دولار للبرميل الواحد، أما في عام 2010 فقد يصل إلى 150 دولارا مما يفوق بالثلث تقريبا الحد الأقصى التاريخي الذي بلغه في عام 1980 عندما كان البرميل الواحد يباع بسعر 38 دولارا مما يعادل اليوم 7ر101 دولار بالأسعار القابلة للمقارنة.

ولم يثر تجاوز الحاجز السيكولوجي من 90 دولارا للبرميل الواحد الذعر في الولايات المتحدة ولا في أوروبا الغربية ولم يلحق أي ضرر باقتصادهما.

فأولا، يدرك الجميع أن ثمن النفط مبالغ فيه اليوم وأن الطفرة الحالية لسعره وليدة للمضاربة والنزاعات الناشبة في المناطق المنتجة للنفط. ولكن الأمر الرئيسي هو أنه خلال فترة أكثر من 30 عاما فاتت منذ الأزمة النفطية عام 1973 تعلم الغرب العيش في ظل غلاء النفط.

في أكتوبر عام 1973 في أوج الحرب العربية الإسرائيلية فرضت دول أوبك بقيادة السعودية حظرا على توريد النفط إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مما أدى إلى ارتفاع أسعاره خلال عام واحد فقط من 3 دولارات إلى 12 دولارا للبرميل الواحد. وأصيب الغرب بصدمة حقيقية بحيث هبط حجم الإنتاج الصناعي فيه عام 1974 بنسبة 15 بالمئة ونفس هذه النسبة سجلها المعدل السنوي للتضخم المالي.

ولكن الغرب استوعب جيدا هذا الدرس. فسارعت دول العالم الغربي إلى تطبيق إجراءات تهدف إلى تخفيف شدة التبعية لمصادر الطاقة. وبات الغاز السوفييتي بديلا جيدا لنفط الشرق الأوسط. وعلى سبيل المثال تستخدم الحافلات الغاز المسال بدلا من البنزين في كثير من المدن الكبرى في أوروبا حاليا.

وفي الوقت نفسه جرى على قدم وساق تطوير تكنولوجيات مقتصدة للطاقة ومصادر بديلة لها. وخلال تلك السنوات الثلاثين تعلم الأوروبيون فعلا توفير المحروقات إذ يقل استهلاك الوقود في أوروبا نسبة إلى الفرد من السكان ضعفين عنه في الولايات المتحدة. وذلك بفضل نشر السيارات الصغيرة وعربات الترام الكهربائية. مع العلم أن نفقات الطاقة تشكل - حسب تقديرات بعض الخبراء - حوالي 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

أما الأميركان فلا يبالون بالتوفير. وحسب بعض التقديرات «تحرق» أميركا اليوم نفس الكمية من البنزين التي يستهلكها سائر العالم إجمالا. ولو كان كل سكان المعمورة يستهلكون البنزين بنفس معدل المواطن الأميركي المتوسط لنضبت كل احتياطات الوقود العالمية خلال أقل من عشر سنوات. ولكن من قال أن هذا الاحتياطي يجب أن يكفي للجميع؟

يحمل هذا السؤال في طياته خلاصة الرد الأميركي على «تحدي الطاقة». لقد بعثت أزمة عام 1973 في الغرب أفكار مالتوس المتشائمة الشهيرة والقائلة بأن موارد كوكبنا محدودة بحيث لا تكفي لتلبية حاجات سكانها المتنامية.

ولم تلبث أن ظهرت حسابات تؤكد أن الموارد المتوفرة تكفي لتأمين مقاييس الحياة العالية نسبيا فقط لـ «1 مليار» من السكان. ولكي يتم ذلك يجب أن يستهلك هذا «المليار الذهبي» 75 بالمئة من ثروات كوكبنا الطبيعية.

وفضلا عن ذلك اختفت من برامج الأمم المتحدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في عقد التسعينات كل الإشارات إلى مفهوم سيادة الشعوب الثابتة غير القابلة للتصرف فيها على ثرواتها الطبيعية.

ويبدو وكأن غلاء النفط يجب أن يثلج قلب روسيا لأن بيع كل برميل من النفط من نوع «يورالس» بسعر 80 دولارا يعود على الميزانية الروسية ب59 دولارا أما ارتفاع سعر النفط بنسبة 1 بالمئة فيزيد عائداته إلى الميزانية بنسبة 2ر1 بالمئة. وتتيح الدولارات النفطية زيادة نفقات الميزانية وتوظيف الأموال في البنى الأساسية ورفع مرتبات العاملين في قطاع الدولة.

ولكن كل ذلك يؤدي مباشرة إلى حدوث ارتفاع حاد في معدلات التضخم المالي. بالإضافة إلى أن الازدهار المبني على النفط - وهو الأمر الرئيسي - يدفع القيادة الروسية إلى تكرار نفس الخطأ الذي ارتكبته الحكومة السوفييتية في السبعينات.

وقد أتاحت طفرة الأسعار النفطية آنذاك وتدفق الدولارات على الاتحاد السوفييتي للقادة الحزبيين إمكانية تأجيل إجراء الإصلاحات الاقتصادية الضرورية. وتتكرر نفس الظاهرة في يومنا هذا عندما تجري المماطلة في الإقدام على إجراء سلسلة من التغييرات البنيوية اللازمة في الاقتصاد.

وذلك في حين تتزايد تبعية البلد للأسواق الأجنبية. فمثلا، بلغ نصيب السلع المستوردة في سوق الأغذية في البلاد اليوم مقدار 40 بالمئة أو أكبر ضعفين مما كان عليه عام 1999. كما أن التجربة العالمية تؤكد بجلاء أن الثروات الطبيعية والمواد الخام وحدها لم تؤمن أبدا الازدهار للدول المصدرة لها.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني