الإنسان كائناً ما كان جنسه ولسانه ودينه وانتماؤه السياسي لا يؤلمه شيء كما يؤلمه أن يرى أطفال العالم، وهم فرائس الجوع والمرض والتشريد والأمية، يحرمون من أكثر الحقوق الإنسانية التي ضمنتها لهم كل الشرائع السماوية... والأرضية، وهي: الغذاء والمسكن والتعليم والرعاية الطبية والحماية من الإرهاق والاستعباد، ومن إجبارهم على العمل الشاق، أو تعرضهم للاتجار بأجسادهم البضة، وهم فسائل غضة، تحتاج إلى من يرعاها، لكي تنمو سوية وتزهر نقية، وتؤتي ثمارها جنية حينما تشب.

إن قلوبنا تتفطر ألماً حينما نرى فلذات الأكباد مهزولة الأجساد، قد ذاب منها اللحم والشحم، ولم يبق تحت جلودها إلا العظم، وهي تحلم بالثوب والكسرة اليابسة، والجرعة الشروب، ثم لا تجد من يكسوها ويطعمها ويسقيها، فتضطر إلى العمل الشاق المهين في تكسير الحجارة، ومسح الأحذية، وبيع الصحف وخدمة السادة المترفين، وهي أحوج الناس إلى من يخدمها.

وربما كان عالمنا الإسلامي عامة، وعالمنا العربي خاصة أحفل بلاد المعمورة بهذا الضرب من الأطفال المعذبين في الأرض. فهم نهب حروب تتخطف آباءهم الفقراء، وكوارث تجتاح منازلهم المتداعية، ومجاعات تأكل جسومهم الضاوية، وأمراض تفتك بأشباحهم المهزولة، فلا تقرأ في وجوههم إلا اليأس، ولا يرنق على جباههم إلا الوجوم، ولا يطوف بوجناتهم غير الشحوب. وهذه المشاهد تطالعك بها قنوات الفضاء العربية والإسلامية صباح مساء، فلا تفطر إلا على كارثة، ولا تتغدى إلا من جائحة.

فإذا انتقل بصرك من قناة عربية إلى أخرى غربية تغيرت سمات الأطفال وقسماتهم، فالوجوه طافحة بالبشر، مشرقة بالحبور، فلا تطيق حينئذ إلا أن تقارن وتوازن، فتفضي بك المقارنة والموازنة إلى ما أفضت بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله حينما اتسع قلبه لمشاهد هؤلاء وأولئك، فلم يستكثر على أطفال الغرب النعيم الذي يرفلون في أكنافه، لأن ما هم فيه من سعادة هو القاعدة، وما يعانيه أطفال العرب والمسلمين والأفارقة والآسيويين هو غير الطبيعي الذي يعالج ويقوم، ولا يسكت عنه، مهما يطغ ويستفحل.

لقد وسع قلبه الكبير ألوف الألوف من أشقياء الأطفال في العالم كله، غير متقيد بجنس أو لون أو دين، كأنه يصدع بما أمره به ضميره الحي، وبما بصرته به (رؤيته) الواعية، أو كأنه يردد قول معروف الرصافي:

ومن اللؤم أن ترى عندنا

الأطفال تفنى لأنهم فقراء

لا غذاء في جوفهم، لا كساء

لا وطاء من تحتهم لا غطاء

ولا غرو في ذلك، فقد خلق صاحب السمو شاعراً مفطوراً على الخير، وفطرة الشاعر لا تنسخها تبعة الحكم، بل تزيدها توهجاً وتأرجاً، وتنقلها من أفق المشاركة الوجدانية إلى عالم الواقع المحقق فالشاعر العادي يقول ولا يفعل وينصح ولا يصلح كأن يقول حافظ إبراهيم:

أنقذوا الطفل إن في شقوة الطفل

شقاء لنا على كل حال

إن يعش بائساً، ولم يطوه البؤس

يعش نكبة على الأجيال

أنقذوه، فربما كان فيه

مصلح أو مغامر، لا يبالي

أما الحاكم الشاعر ـ ولا سيما من كان له عزم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ـ فنصحه عمل، وعمله يسبق قوله، و«رؤيته» تخطط لمستقبل الوطن، وطموحه لا يتوقف عند حد. فهو لا يقنع من الإصلاح بالدعوة المخلصة، والعاطفة الصادقة، وإنما يتصور عالم الطفولة أول الأمر، ويعمل على تصويره بعد ذلك، فإذا هو حقيقة واقعية تترجم له ما حلم به الشاعر حين قال:

سيعرف غير الأرض هذي صغيرنا

وغير دروس الحقد سوف يعلم

لأمثاله نبني، ونرفع عالما

على الأرض يحيا الطفل فيه ويسلم

ولا يكتفي بالدعاء الضارع، بل يبادر بالعمل الدائب إلى تحقيق ما راود الشاعر بدوي الجبل، من مطامح إنسانية حينما دعا الله أن يحقق آمال الأطفال، وأن يحمي الشعوب من الحروب، لكي تصون الطفولة البريئة من الشقاء في كل بقاع الأرض:

فيارب من أجل الطفولة وحدها

أفض بركات الطفل شرقاً ومغرباً

ورد الأذى عن كل شعب، وإن يكن

كفوراً، وأحببه وإن كان مذنبا

وصن ضحكة الأطفال، يارب، إنها

إذا غردت في موحش الرمل أعشبا

وبعد. فإن من فضل الله على دبي أن منّ عليها بقائد راشد، أتي الحكمة في القيادة والتبصر في الرؤية المستقبلية، والرهافة في الإحساس بالمشاعر الإنسانية، والطموح إلى الكمال، ليخرج بهذه الإمارة الصغيرة من أفقها الضيق إلى الأفق الإنساني الرحب.

كاتب إماراتي