مهما تكن مبررات كل من الولايات المتحدة وفرنسا لتدخلهما في الساحة السياسية اللبنانية باسم الوساطة وتحقيق الاستقرار فإن الهدف الغربي الأعظم يبقى ثابتاً..
وهو تصفية المقاومة اللبنانية المسلحة من أجل حماية إسرائيل كمرحلة أولى للتمهيد لإنشاء تحالف بين لبنان والدولة اليهودية على المدى البعيد، وعليه فإنه طالما بقي هذا الهدف مرتكزاً أساسياً للسياسة الأميركية ـ الفرنسية تجاه لبنان فإن من المحتم أن تواصل أزمة الصراع الداخلي اللبناني ـ اللبناني الدوران حول نفسهما بلا طائل.
أجندة الفريقين اللبنانيين المتصارعين متناقضة تماماً من حيث النظرة إلى لبنان المستقبل: فريق مرتهن إلى الهدف الغربي الكبير لا يتوخى قادته من خلال هذا الارتهان سوى مصالح ذاتية صرفة، وفريق يرى المستقبل اللبناني من خلال مبدأ أن الصراع مع إسرائيل صراع وجود.
وبينما يتخذ ارتباط الفريق الأول مع الولايات المتحدة وفرنسا علاقة الخادم مع السيد فإن ارتباط الفريق الثاني مع سوريا وإيران يقوم على وشيجة تحالفية في إطار منازلة عربية إسلامية مصيرية ضد الهيمنة الإسرائيلية المدعومة غربياً.
تأسيساً على هذه الحقائق الأساسية يبقى التنازع المتفاقم بين الفريقين حول مسألة الاستحقاق الرئاسي مجرد شكل خارجي للأزمة اللبنانية.
لذا فإن من العسير أن نتصور توصل الفريقين إلى اتفاق على «رئيس توافقي» طالما أن فريق «الأكثرية» لا يريد سوى رئيس يعتبر أن مهمته الأولى هي تقليم أظافر المقاومة الوطنية بتجريد «حزب الله» من سلاحه نزولاً على رغبة كل من واشنطن وباريس.
تصفية المقاومة اللبنانية المسلحة تبقى مجرد حلم لدى الغرب. وكما قال حسن نصر الله زعيم حزب الله فإنه لو اجتمع العالم كله لنزع سلاحها فإنه لن يستطيع إلى ذلك سبيلا، ومثل هذا القول ليس من قبيل المبالغة اللفظية الفارغة. فالهزيمة الساحقة التي ألحقتها كوادر المقاومة بالقوات الإسرائيلية لأكثر من مرتين ونسفت بذلك أسطورة «الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر» غنية عن أي بيان.
هكذا تبدو الأزمة اللبنانية وكأن الجدل العقيم بين الفريقين المتصارعين يصل بها في كل مرة إلى طريق مسدود، فهل يتطور الصراع ليتخذ منحى آخر على طريق يؤدي إلى تجدد الحرب الأهلية؟.
قادة الولايات المتحدة وفرنسا يدركون أكثر من غيرهم أن القوة الداخلية التي سوف تحسم أي اشتباك مسلح هي نفس القوة التي تخشاها إسرائيل. فأية قوة لبنانية داخلية لن تصمد أمام القوة التي انتصرت على الدولة اليهودية مثنى وثلاث.
ليس إذن بوسع أحد أن يتنبأ الآن بمآل الأزمة اللبنانية. لكن يمكن أن نقول إن من المؤكد أن واشنطن وباريس لن تسمحا بتدهور الوضع نحو حرب أهلية تدركان سلفا أنها ستكون وبالاً على الفريق الذي يراهنان عليه، ومع ذلك لن يكون حلول التوافق والاستقرار قدر لبنان ما لم تتراجع القوتان الغربيتان عن هدف تصفية المقاومة الوطنية المسلحة.. ولو على سبيل «التكتيك» المرحلي، ولننتظر ما تأتي به الأيام.