فجأة تتذكر إسرائيل أن هناك ملفاً اسمه المسار السوري في «عملية السلام». وفجأة تهبط على بعض قياداتها الصحوة بأن هذا المسار جاء وقت تحريكه وإنعاشه! سنوات مرت وهذا الأخير مدفون، لا تأتي تل أبيب على سيرته؛ إلا في سياق الإعلان عن إجراء مناورات في الجولان المحتل، أو في الإعلان عن تنشيط حركة الاستيطان فيه. وحتى عندما أعربت دمشق، أكثر من مرة، عن رغبتها في استئناف المفاوضات؛ كانت إسرائيل تتجاهل الدعوة. كانت تزعم أن اللحظة ليست مناسبة أو أن الملف الفلسطيني له الأولوية.
في اليومين الماضيين ومن دون سابق إنذار طافت الدعوات الإسرائيلية مرة واحدة؛ لفتح موضوع المسار السوري. هجوم سلمي ـ على الطريقة الإسرائيلية ـ مباغت باتجاه دمشق. رئيس الحكومة أولمرت، يسرب إلى الصحف الإسرائيلية أخباراً تفيد بأنه ينوي إجراء الحوار مع سوريا، وأنه يتبادل «الرسائل السرية معها».
وزير الدفاع باراك يدعو، في محاضرة له، إلى إشراك دمشق في لقاء أنابوليس؛ من باب أن ذلك لو حصل يمكنه أن يقود إلى فتح حوار مع سوريا لاحقاً. وتردد أنه يستند في موقفه هذا إلى دعم القيادة العسكرية الإسرائيلية التي ترى «أن دمشق جادة في حديثها عن السلام». وكذلك يستند إلى تقديرات استخباراتية مؤيدة في هذا الصدد.
وانضم إلى الجوقة العازفة على لحن المسار السوري، وزير الأمن الداخلي، آفي ديختر؛ الذي نسب إليه قوله إن السلام مع سوريا هو الأمر الأكثر واقعية؛ وإن الفرص لتحقيقه «عالية جداً».
صحيفة يديعوت أحرونوت ذهبت إلى حد القول إن باراك قام بتعيين الجنرال يهو شواع ساغي مسؤولاً عن مهمة استكشاف إمكانية العودة إلى فتح خطوط الحوار والتفاوض مع سوريا. الجنرال نفى ذلك لاحقاً.
كلام يبدو أن غايته لا تتعدى إشاعة أجواء، وظيفتها ذرّ الرماد في العيون. توقيته، على الأقل، يضعه في هذه الخانة. فهو يأتي ويتدفق وسط التعثر، المفتعل إسرائيلياً ـ من خلال التعجيز والتمييع ـ الذي يواجه لقاء أنابوليس أو بالأحرى وسط الانكشاف المتزايد لحقيقة النوايا الإسرائيلية ـ ومعها الأميركية ـ تجاه هذا المؤتمر، الذي هبطت تسميته إلى اجتماع؛ والتي ليست جادة في موضوع الدولة الفلسطينية.
والتي هي بيت القصيد في نهاية المطاف، فحكومة أولمرت تنصلت حتى مما اقترحته رايس والمتعلق بالتطبيق «الفوري والمتوازي» للمرحلة الأولى من «خريطة الطريق». كما أخذت تتملص من إعلان التزامها بالمتبقي من الخريطة، لتحقيق السلام، فضلاً عن تهربها من تشكيل لجنة ثلاثية أميركية ـ إسرائيلية ـ فلسطينية؛ مهمتها متابعة التنفيذ.
إدارة الرئيس بوش لم تبادر، حتى اللحظة، إلى تذكير تل أبيب ـ على الأقل ـ بما ارتضت الالتزام به؛ قبل أيام وأمام الوزيرة رايس. ثم إن هذه الهبّة باتجاه المسار السوري تأتي بعد أسابيع قليلة من عدوان جوي إسرائيلي على الأراضي السورية. اعتداء وسلام لا يستويان، في آن واحد.
إسرائيل خبرتها واسعة في التملص والمخادعة. اعتادت على التعامل مع قضية «السلام» بلغة العلاقات العامة بكل ما فيها من مساحيق تجميل وفنون في التمويه؛ كما من خلال لعبتها المفضلة القائمة على القفز على حبال المسارات؛ بعد أن كسبت معركة الاستفراد بها والتعاطي معها بالمفرق وأحياناً بتوظيفها ضد بعضها البعض. فهل يستدرك المستهدفون؟
