لم يكن يخطر ببال من استشهد أول من أمس وجرح في ساحات غزة، أن تكريم الراحل ياسر عرفات سيكون مأساوياً، بقدر ما كان غيابه. فالذين تجمعوا لإحياء ذكرى الشهيد الذي دفن معه سر اغتياله في ساحة المقاطعة في رام الله، هدفوا إلى تكريم الشهيد أولاً ولإحياء المطالبة بإعادة التحقيق باغتياله، لكنهم ووجهوا بالرصاص والنار، فسقط من سقط وهرب من هرب يجرون وراءهم علم فتح الذي طالما احتضن على مدى عقود جثامين آلاف الشهداء الفلسطينيين والعرب من أجل فلسطين.
كان المشهد مأساوياً إلى أقصى الدرجات، ليس لأن الدم الفلسطيني يسال، فهو تعود على ذلك، وإنما لأنه يسال بسلاح فلسطيني. وكم كان الشعور مغايرا لو أن إسرائيل من قتلت أو جرحت أو أرهبت المتجمعين في ساحات غزة، وليس إخوة السلاح والدم والعقيدة والماضي والحاضر والمستقبل.
كل التبريرات التي سيقت لن تكفكف دموع امرأة فقدت زوجها أو ابنها أو شقيقها، وكل المحاولات التي صيغت عبر شاشات التلفزة العربية وغير العربية، لن تشفع لمرتكبي المجزرة.
كل من فتح وحماس، قدمتا الشهداء من أجل فلسطين وحري بهما وبقادتهما الترفع إلى مستوى الدماء التي أريقت من أجل تحرير هذا الجزء من فلسطين، وليس من أجل عودة الاحتلال إليه.
سيادة فلسطين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين يصنعها جميع الفلسطينيين من أبناء فتح وحماس والجهاد والجبهة الشعبية بكل مكوناتها وكل فلسطيني في الداخل والشتات، ولن يصنع هذا الحلم الفلسطيني التباعد والاقتتال والانقلاب على الاتفاقيات والمواثيق التي رعاها الإخوة العرب في أطهر أرض.
لن يغفر الفلسطينيون الشهداء، قبل الأحياء لمن يخرب مسيرة السلم الداخلي، كما لن يغفروا لمن يدوس على شعاراتهم ودمائهم من أجل مصالحه الذاتية أو تنفيذ لرغبات خارجية.
بقدر ما كان مفجعاً رحيل عرفات، بقدر ما كانت ذكراه الثالثة درساً لا بد أن يتعلم منه الفلسطينيون الكثير.
