شهدت موريتانيا خلال الأيام الماضية حالة حادة من الغليان الشعبي والمظاهرات الاحتجاجية بسبب الغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار بشكل تجاوز قدرة المواطنين، بمختلف شرائحهم على التحمل وضبط النفوس والبطون، وتخللتها أعمال عنف غير مسبوقة منذ سنوات عديدة، أدت إلى سقوط قتيل وعدد من الإصابات بين المتظاهرين ورجال الأمن في معظم مناطق البلاد بما فيها العاصمة نواكشوط.
ورغم التلكؤ في اتخاذ إجراءات وقائية قبل اندلاع الأزمة، والارتباك الواضح الذي طبع ردود فعل السلطات الحكومية في التعامل مع تداعيات ما اسماه البعض «انتفاضة الجياع» ومنع اتساع نطاقها منذ البداية، إلا أن الحكومة استطاعت أن تستعيد زمام المبادرة.
وأعلنت عن إجراءات وخطوات عملية وسريعة بدأ تنفيذها منذ الاثنين الماضي، ولقيت ترحيبا واسعا في الأوساط الشعبية ومن قوى المعارضة السياسية الموريتانية.
ومن الإنصاف القول إن الحكومة الحالية التي لم تكمل شهرها السابع بعد، غير مسؤولة عن الكثير من الأسباب التي أدت إلى اندلاع هذه الأزمة الخانقة التي تعود، في كثير من جوانبها، إلى تراكمات سابقة على مدى سنوات طويلة.
بل إنها واجهت خلال هذه الفترة الوجيزة عدة أزمات اقتصادية وأمنية تفجرت بوجهها في توقيت أثار الريبة والشك لدى العديد من المراقبين، وذهب البعض إلى حد اتهام بعض عناصر السلطة أو المقربين منها، بأن لهم ضلعا في التفجير المتزامن لهذه الملفات بهدف الضغط على الحكومة وعلى رئيس الجمهورية لتغيير بعض توجهات السياسة العامة للدولة.
وربما الدفع نحو اتخاذ قرارات معينة أو عرقلة قرارات أخرى، خاصة في ما يتصل بوعود الإصلاح ومكافحة الفساد!
غير أن هذه الحكومة، رغم ذلك، هي المسؤولة سياسيا وأخلاقيا عن حماية الأمن والاستقرار في البلاد ووضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكفيلة بمنع تفاقم الأوضاع المعيشية وانهيار البنيان الاجتماعي للسكان.
وهذا ما أكد عليه الوزير الأول، الزين ولد زيدان، نهاية مايو الفائت في خطابه أمام البرلمان الذي عرض فيه خطة الحكومة للسنوات المقبلة وتعهد ب«إعادة بناء الوحدة الوطنية وتحقيق النمو الاقتصادي ومكافحة الفقر والنفاذ إلى الخدمات الأساسية وترقية الموارد البشرية».
وعلى العكس من ذلك، نرى أن الحكومة اتخذت قرارات متسرعة برفع أسعار بعض المواد الأساسية، كالمياه والكهرباء والمحروقات بما فيها الغاز المستخدم للأغراض المنزلية، بينما كانت بوادر الأزمة الأخيرة بادية للعيان وتنذر بالانفجار في أي لحظة.
ولعل القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الانفجار الشعبي ضد الغلاء، والتي اتسمت بقدر كبير من المسؤولية والجدية، تكون بداية مرحلة جديدة من الفاعلية والإدراك الواعي لحجم التحديات والمخاطر التي تواجه موريتانيا وتجربتها الديمقراطية الوليدة.
والتي لا شك أن استمرار مسلسل الأزمات الراهنة دون إيجاد حلول جذرية ناجعة لها، سيجعلها (التجربة) تعاني من الإنهاك الشديد الذي نرجو ألا يصل إلى حد الانهيار وإعطاء المجال للمتربصين بها والساعين لوأدها في أول فرصة سانحة، لا نريد أن تكون المنشورات السرية التي ظهرت في العاصمة مؤخرا أحد إرهاصاتها وتجلياتها.
ولا شك أن مسؤولية مواجهة هذه الأزمات وتداعياتها يجب أن يتحملها الجميع كل من موقعه الوطني، في السلطة أو في المعارضة، وأن تتم المعالجة بعيدا عن حسابات الربح والخسارة على المدى السياسي القصير، وإنما من منطلق الشراكة الحتمية في مصير الوطن وواجب حمايته وصيانة مكتسباته التي بذل في سبيلها الكثير قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه.
وفي هذا الإطار يجب تفعيل التشاور بين الحكومة والمعارضة، وفقا لمقتضيات القانون المحدد للعلاقة بين الطرفين وخدمة للمصلحة العليا للوطن.
كما أنه قد يكون من المفيد إعادة النظر في التشكيلة الحكومية الحالية وتقييم أدائها بشكل موضوعي، والنظر في ما إذا كان هذا الأداء يستدعي تعديلها أو إضافة دماء جديدة إليها، حيث إن بعض الوزارات بدت عاجزة أو مقصرة في القيام بالمهام الموكلة إليها، وفي أحسن الأحوال بدت غير قادرة على مواكبة الأحداث والتطورات المتصلة بمجال عملها ومسؤولياتها.
لقد أثبتت الأزمة الأخيرة عدم جدوى التلكؤ والتباطؤ في اتخاذ قرارات حاسمة وتطبيق سياسات جادة وجريئة، وأن عامل الوقت ليس في صالح أي من الأطراف السياسية، وإذا كانت موريتانيا قد أصدرت في أغسطس الماضي.
وللمرة الرابعة منذ عام 1963، قانونا جديدا بإسقاط الرق وتجريم العبودية باعتبارهما جناية تستحق حكماً نافذاً بالسجن لمدة تصل إلى عشر سنوات، فقد آن الأوان لقانون نافذ يسقط عبودية الغلاء ويجرم الجشع الذي يجعل غالبية الشعب الموريتاني (نحو 98%) أرقاء تحت نير الرفع الجنوني للأسعار، فهل تستثمر الحكومة الأثر الايجابي لقراراتها الأخيرة، من أجل تفعيل دورها وتعزيز رصيدها السياسي؟