في العقود الأخيرة بات التوتر هو النسق السائد للعلاقات التركية الكردية، خاصة بعد أن أقامت الولايات المتحدة «منطقتي الحظر الجوي» شمال العراق وجنوبه ، ولكنه ربما قد يكون التوتر الناشئ اليوم هو الأخطر في تاريخ هذه العلاقة.. حيث تلوح نذر الحرب في الأفق القريب!

إننا أمام مشهد تركي ـ كردي تتفاعل في تشكيله عوامل إقليمية ودولية شتى، ولكن العامل الكردي يبقى اللاعب الأهم في معادلات أمن واستقرار جميع دول الإقليم، فالولايات المتحدة ـ حتى قبل احتلال العراق ـ وضعت العامل الكردي في صلب استراتيجيتها التفكيكية للمنطقة.

فصنعت النموذج الكردي في العراق وهي تسعى إلى تعميمه على باقي دول الإقليم، ما شجع ودفع ملايين الأكراد خاصة في تركيا وإيران للمطالبة بالمثل، فتبنى «حزب العمال الكردستاني» في تركيا الكفاح المسلح من أجل انفصال مناطق الأكراد عن تركيا..

أما بالنسبة لإيران فهناك حزب «إحياء كردستان»، (مقره في كردستان العراق)، ومن الملاحظ أن الحزبين (التركي والإيراني) يتخذان من شمال العراق قاعدة لهم من أجل منطقتين كرديتين في تركيا وإيران تماثلان إقليم الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق.

لقد ازدادت العلاقات التركية ـ الكردية سوءاً مع الاحتلال الأميركي للعراق حيث سارعت سلطة الاحتلال إلى اتخاذ خطوات عملية لتعزيز وتسريع استراتيجية التفكيك وإعادة التركيب في إقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد.

والتي كان من أول مشروعاتها إقرار دستور للعراق الجديد شرعن تفكيك العراق (تحت يافطة الفدرلة)؛ أتبعه إقرار مجلس الشيوخ الأميركي لقانون يقضي بتقسيم العراق (هذا دون أن ننسى قرار الكونغرس الذي يدين المجزرة التي تعرض لها الأرمن مطلع القرن الماضي في تركيا)!، ما وضع المنطقة بكاملها على فوهة براكين جاهزة للانفجار.

ووضع دولاً كبرى في المنطقة في مرمى التفكيك والتركيب الأميركي على قواعد إثنية وطائفية ومناطقية و(نفطية)!

إن العلاقات الأميركية التركية رغم تاريخيتها وحميميتها (حيث يوجد في تركيا أكثر من 12 قاعدة عسكرية أميركية.

وكذلك فإن القوة النووية الأميركية رابضة داخل تركيا)، إلا أن العلاقة اليوم باتت مهددة، فواشنطن تعارض قيام تركيا بأي عملية عسكرية في شمال العراق منعاً لتعريض التوازنات القائمة لأي اهتزاز إضافي، أما الرأي العام التركي فيرى في واشنطن، وسياسات جورج بوش تحديداً، تهديداً للأمن القومي التركي..

ويعتبر أن قرار الكونغرس الأميركي بتقسيم العراق، إنما يستهدف تقسيم تركيا كذلك، ولم يجعل مجالاً للشك في سوء النوايا الأميركية تجاه دول المنطقة وفي مقدمتها تركيا.

في الوقت نفسه فإن واشنطن تخشى من زيادة التوتر على الحدود العراقية التركية لأنها تعتبر استخدام المجال الجوي التركي أمراً مهماً جداً حيث أن 70% من الشحن الجوي الأميركي و30% من المحروقات و95% من الآليات المدرعة الجديدة تمر عبر قاعدة انجيرليك الجوية (جنوب تركيا) في طريقها إلى العراق.

أما بالنسبة للموقف الأوروبي من التهديد التركي باجتياح شمال العراق لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني فقد انتقدت «مجموعة اليسار الأوروبي الموحد» داخل المؤسسة التشريعية الأوروبية، موافقة البرلمان التركي على تدخل الجيش في شمال العراق.

واعتبرت المجموعة أن استعمال القوة ضد عناصر حزب العمال في شمال العراق، يهدد بفتح جبهة أخرى، ويفرض سيناريوهات جديدة في الشرق الأوسط.. كما شكك اليسار الأوروبي بجدية الديمقراطية التركية، دون أن يغفل عن التهديد بتعليق «مفاوضات انضمام تركيا للمنظومة الأوروبية في حال أصرت أنقرة على موقفها ورغبتها التدخل في شمال العراق».

أما تداعيات التوتر في روسيا فقد تجلت بانتقاد الرئيس «بوتين» لاستمرار الاحتلال الأميركي للعراق.. واعتبر أن الوجود العسكري الأميركي في العراق «لم يعد مجدياً»، حتى انه قال انه يرى أن « الاحتلال يتعلم الرماية بوضع بنادقه على أكتاف العراقيين».

ولكن في هذا المشهد الملتبس والبالغ التعقيد والتشابك هناك الدور الإسرائيلي، حيث هناك دلائل كثيرة تؤكد العبث الإسرائيلي بالملف الكردي، فسيمور هيرش (مستنداً على مصادر أميركية)، أعد تقريراً وتحليلاً وثائقيا (نشرته النيويوركر) أكد فيه أن هناك المئات من الإسرائيليين وبينهم رجال الموساد يعملون الآن في المناطق الكردية شمالي العراق، لجمع معلومات عن المشروع النووي الإيراني ومراقبة ما يجري في سوريا.

ويؤكد هيرش بأن «الإسرائيليين الناشطين في كردستان العراق قاموا بعمليات تسلل من هناك إلى محيط منشآت نووية في إيران»، وأن « عناصر إسرائيليين عبروا الحدود بين العراق وإيران برفقة فرق كوماندوز كردية لتثبيت لواقط وغير ذلك من الأجهزة الحساسة قرب منشآت نووية إيرانية ».

وكان هيرش نفسه قد ذكر (في تقرير سابق) أن إسرائيل نجحت عبر الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية، في فك الشيفرة الإيرانية والتنصت على الاتصالات الإيرانية الخاصة بالمشروع النووي، ناهيك عن أن «العملاء الإسرائيليين الذين يقدمون أنفسهم كرجال أعمال يقومون بتدريب فرق كوماندوز كردية».

خلاصة المأزق الحالي أن دول الإقليم وهي تراقب الكيان الكردي الانفصالي، تدرك بأن هذا الكيان بات يشكل خطراً حقيقياً لا يمكنها السكوت عليه، فالدول الثلاث المحاددة لمنطقة شمال العراق تشعر بخطورة الانفصالية الكردية على أمنها الوطني.

خاصة وأن للعامل الديمغرافي الكردي امتداداته وصلاته واتصالاته داخل هذه الدول، وهناك من بينها من يتعرض لأعمال عسكرية لا يمكن الاستهانة بتأثيراتها السلبية على أمنها الداخلي.

ما يجعل من هذه الدولة مؤهلة ومضطرة أكثر من غيرها للاضطلاع بمهمة القضاء على مصدر الخطر الكردي بوجه عام، فالعراق المحتل ليس بوسعه إيقاف انفصال هذا الجزء من دولته، أو السيطرة على حدوده أو ضبط الميليشيات.

إن ما يربط بين هذا الثلاثي إيران ـ تركيا ـ سوريا أنها دول تسير فوق حقل مليء بالألغام، فكلها مهددة بالانفصالية الكردية، ما جعل حتى إقليم كردستان العراق موعود بأزمة تضعه في خضم الفوضى الأميركية الخلاقة، وعليه فإن التهديدات التركية باجتياح كردستان العراق وجدت دعما علنيا من سوريا.

كما وجدت دعماً مستتراً من إيران، ناهيك عن الدعم الذي تلقاه تركيا من أوساط العراقيين من سنة وعرب ممن أزعجتهم الديكتاتورية الكردية المطبقة في كردستان العراق، وذلك لأن تركيا تعارض بقوة ما يجري في العراق من تطلعات كردية للاستقلال عن الوطن العراقي وضم مدينة كركوك لهذا الكيان الكردي!

لم يعد من الممكن أمام تركيا (حكومة وجيشاً وشعباً) أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام استمرار عمليات حزب العمال الكردستاني التي يشنها داخل الأراضي التركية وتستهدف العسكريين والمدنيين والبنى التحتية التركية انطلاقا من كردستان العراق.

إذن هناك وضع إقليمي جديد يتشكل، وتركيا أمام تغيير واضح في نمط علاقاتها في الإقليم وبشكل خاص مع سوريا وإيران على الأقل باعتبار ان البلدان الثلاثة في مركب واحد بمواجهة تأثيرات انفصال الأكراد في شمال العراق، وتأسيس دولة مستقلة. إن هذه الدول ليست معنية فقط بمسألة تقسيم العراق وإنما هي تنظر إلى أن هذا الانفصال موجه مباشرة إلى أمنها القومي ووحدتها الداخلية كمجتمعات.

إن تعقيدات المشهد وتشابك خيوطه وتنافرها تؤكد مجتمعة أن الأزمة التركية العراقية تهدد أمن المنطقة، فهناك شعوب تدفع الثمن، ولكن العرب من بينهم هم المطالبون بتسديد أكبر الفواتير (دماً ونفطاً واستقلالاً وسيادة وحرية ومالاً)!

برلماني وخبير قانوني أردني

obeidatrj@hotmail.com