الملتقى الذي عقدته جمعية خريجي جامعة هارفارد بدولة الإمارات السبت الماضي في أبوظبي (10 نوفمبر 2007) يمكن أن يكون أنموذجاً لنوعية المؤتمرات التي تحتاجها المنطقة: دقة في اختيار مواضيع النقاش، دقة في اختيار المتحدثين، خارج عن الأجواء «الرسمية» المملة في افتتاح المؤتمرات والأهم أن محاور النقاش جاءت متفقة مع الحاجة الحقيقية لنقاش جاد حول قضايا التنمية الإنسانية في العالم العربي.

كان موضوع الملتقى يناقش واقع «الثروة البشرية» في العالم العربي، قضية تقود إلى طرح أسئلة مهمة حول واقع التعليم والتدريب والتأهيل في البلدان العربية. وجاء المتحدثون من تجارب متنوعة، أكاديمية وحكومية وشركات القطاع الخاص، أساتذة كبار من جامعة هارفارد.

وغيرها وقيادات من شركات عملاقة مثل سابك والفيصلية ومبادلة وباحثون من شركات بحث معروفة مثل مكينزي كانوا متفقين على أن التعليم الجاد والتدريب المتواصل تأتي ضمن مفاتيح الحل لأزمة التنمية في العالم العربي.

الدكتورة منى مرشد من مكينزي صعقت الحضور وهي تثبت بالأرقام والنسب أن مستوى التعليم ما قبل الجامعي في العالم العربي يأتي من أسوأ المستويات في الترتيب العالمي. وإذا كان مستوى الطالب قبل الجامعة ضعيفا جداً فكيف نتوقع منه أن يكون طالباً جيداً وهو في الجامعة؟

أكدت الدكتورة منى أن الطالب الممتاز مع معلم رديء سيفقد بالتالي تميزه فيصبح فيما بعد طالباً ضعيفاً مثل معلمه! كأن المتحدثة توصي أن نبحث في مستوى المعلم أولاً إن كنا جادين في السعي لإصلاح أحوال التعليم في عالمنا.

وكنت مع الدكتور حبيب الملا، رئيس جمعية خريجي هارفارد في الإمارات، نتبادل الأسف على الحقيقة المؤلمة حينما نتذكر أن كليات التربية في الجامعات العربية تتحول أحياناً إلى مأوى لأولئك الذين يتخرجون من الثانوية بمعدلات متواضعة أو لا يجدون مقاعد في كليات الطب والهندسة والقانون.

وكانت الدكتورة جيهان المير، مديرة هيئة التعليم العالي بقطر، تذكرنا بأنه لا يكفي أن تبني مدرسة جميلة لكنك تحتاج أيضاً أن تبني طريقاً إلى المدرسة. إن عملية التنمية الإنسانية في أي مكان مشروع شامل متكامل تتداخل فيه كل مؤسسات المجتمع لكن التعليم يبقى خطوة أساسية لأي مشروع تنموي في بلداننا.

وبما أن ثمة حديثا دائما عن تطوير مستويات طلابنا في المراحل قبل الجامعية فإن الحاجة أقوى لتطوير مستويات معلمي مراحل ما قبل الجامعة.

في ملتقى خريجي هارفارد في أبوظبي، أشار كثير من المتحدثين إلى آلية اختيار معلمي المراحل ما قبل الجامعة في دول كثيرة مثل اليابان وسنغافورة وكوريا وكيف أن مكانة (المعلم) في تلك المجتمعات قد تكون أكثر تقديراً وهيبة من مكانة (الطبيب) أو (المهندس).

ولهذا تزداد حاجتنا اليوم، والحديث عن إصلاح التعليم في العالم العربي يتواصل، إلى إعداد برامج حقيقية لإعادة تأهيل المعلمين وفتح مجالات للتعاون مع بلدان متقدمة في هذا المجال للاستفادة من خبراتها ولربما كانت فكرة مهمة أن تؤسس برامج للتبادل العلمي بين المعلمين بين دول عربية وأخرى ذات واقع أفضل في قضايا التعليم.

والميزانيات التي تخصص لإعادة تقييم واقع التعليم في بعض الدول الخليجية يجب ألا تصرف على الانتدابات والأسفار وعزائم الغداء والعشاء لمنسوبي وزارات التربية والتعليم.

إنها يجب أن توجه فعلاً، وبشفافية، لبرامج التأهيل وإعادة التأهيل والابتعاث والتدريب والبحوث الجادة. هل لنا أن نتساءل كيف تنفق تلك الميزانيات ومن يشرف عليها وماذا بقي منها اليوم؟

في أبوظبي السبت الماضي، تمنيت لو أن وزراء التربية والتعليم في العالم العربي كانوا حاضرين ليس فقط لسماع نوعية مختلفة من النقاش الجاد والمباشر والصريح حول واقع التعليم في عالمنا العربي ولكن أيضاً للاطلاع عن قرب على كفاءات عربية (أكثرها خليجية) تواجدت في مؤتمر خريجي هارفارد هي في الواقع نتاج حقيقي لتجربة التعليم والدراسة في مدارس وجامعات غربية.

احتياجات التنمية في العالم العربي تستدعي وقفة جادة مع النفس للاعتراف أن هناك فشلا كبيرا في مستوى التعليم إجمالاً في العالم العربي، خاصة في مستويات ما قبل الجامعة، وبداية الحل، كما يقال، هو الحديث في المشكلة والاعتراف بها.

واحدة من الخطوات المهمة في عملية الإصلاح التي ننشدها لمنطقتنا جاءت من السعودية مؤخراً حينما شرعت وزارة التعليم العالي بابتعاث آلاف من الشباب السعودي (أولاد وبنات) للدراسة في الخارج.

لكن كثيرا من المبتعثين للدراسة في جامعات غربية سيواجهون الحقيقة المرة في جامعاتهم الجديدة وهم يكتشفون الفارق التعليمي الكبير (ناهيك عن إشكالية اللغة).

بينهم وبين أقرانهم في الفصول الدراسية من بلدان أخرى تهتم بمستوى التعليم ما قبل الجامعي. ولهذا فإن الإلحاح المتواصل على «إصلاح» التعليم في العالم العربي يجب أن يتواصل من أجل تحيق تنمية إنسانية حقيقة لأجيالنا القادمة. علينا أن نتذكر بأنه لا يكفي أن يذهب الطالب إلى المدرسة ولكن الأهم هو ما الذي يتعلمه الطالب داخل الفصول الدراسية.

سألح على الصديق حبيب الملا وبقية الزملاء في جمعية خريجي هارفارد بالإمارات بإصدار ملخص للبحوث والنقاشات التي قدمت خلال المؤتمر الثاني للجمعية عسى أن تكون واحدة من المبادرات النافعة في العالم العربي للبحث عن أفضل الطرق للخروج من مأزق التخلف الذي تزداد ظلمته في عالمنا العربي.

لكنني، بكل ثقة، أستطيع القول إن الوجوه الشابة التي رأيتها في أبوظبي السبت الماضي تمنح رؤية تفاؤل نحو المستقبل أو لعلها شمعة مضيئة في نفق طويل شديد الظلمة!

مستشار إعلامي سعودي مقيم في دبي

hattlan@post.harvard.edu