هل لا يزال بين المعلقين والكتاب العرب من يبشرنا بأن الولايات المتحدة عاقدة العزم على نشر الديمقراطية ـ ذات التعددية والحريات والانتخابات ـ في بلدان العالم العربي والإسلامي؟

جون بولتون أحد قادة مجموعة «المحافظين الجدد» التي يقتدي الرئيس بوش بنصحها وينفذ نصائحها دون تردد وكأنها توجيهات واجبة التطبيق.

هذا الأسبوع قال بولتون ان أفضل ما ينبغي ان تقوم به إدارة بوش تجاه الوضع الباكستاني الغائر هو الحيلولة دون إجراء انتخابات عامة قد يتحقق الفوز فيها لخصوم أميركا ـ خاصة الإسلاميين، قول بولتون لا يحمل جديدا من حيث المضمون العام لكنه يذكرنا بأن ما تريده واشنطن للبلدان العربية والإسلامية هو في الحقيقة ديمقراطية انتقائية في الحد الأقصى ولا ديمقراطية إطلاقا في الحد الأدنى إذا كان المتوقع هو أن الإرادة الشعبية الحرة في بلد عربي أو إسلامي ما تدعم معارضي السياسات الأميركية.

بولتون له «منطق» على نحو ما فبينما يحذر ان إجراء انتخابات عامة في باكستان سيؤدي إلى اسقاط نظام الجنرال مشرف الاستبدادي فانه ينبه إلى «خطأ» أميركي سابق.

حيث قال: «دفعنا بإجراء انتخابات في الأراضي الفلسطينية ففازت حركة حماس» بالتالي يأمل ألا يتكرر هذا الخطأ الأميركي في باكستان، هكذا سفه بولتون إرادة الشعب الفلسطيني وخياره كما يسفه الآن ـ مقدما ـ إرادة الشعب الباكستاني. للولايات المتحدة تاريخ طويل في ممارسة النفاق باسم نشر الديمقراطية أو حمايتها.

على مدى ما يقارب نصف قرن حتى اليوم ظلت الإدارات الأميركية المتعاقبة تفرض مقاطعة شاملة على النظام الحاكم في كوبا متعللة بأنه نظام غير ديمقراطي لكنها في الوقت نفسه ظلت تدعم بشتى وسائل الدعم المادي والسياسي نظام الجنرال بينوشيه الانقلابي في تشيلي، لماذا؟

لأن الزعيم الكوبي فيديل كاسترو استولى على السلطة عبر ثورة شعبية مسلحة أطاحت بنظام الجنرال باتستا الذي لم يكن سوى أداة في يد واشنطن، ولأن نظام بينوشيه كان يرى ان مهمته الأساسية هي حماية مصالح الشركات الأميركية العاملة في تشيلي علما بأن العملية الانقلابية التي قام بها الجنرال لإنشاء نظام دكتاتوري عسكري أطاحت بنظام ديمقراطي تعددي.

كان ذلك في سبعينات القرن الماضي خلال عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، والآن وفي عهد الرئيس جورج بوش الابن كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وراء حركة انقلابية فاشلة في فنزويلا للإطاحة بنظام ديمقراطي تعددي بعد انتخابات حرة ونزيهة فاز فيها بمنصب الرئاسة هوغو شافيز فالزعيم شافيز مصنف في واشنطن كخصم لدود لأنه يبني سياسة تصفية القطاع الزراعي وتأميم الشركات الكبيرة.

في دعوته إلى بقاء النظام الاستبدادي في باكستان ومنع عودة النظام الديمقراطي يستند جون بولتون إلى «ثوابت» أميركية تقوم على تراث تراكمي..

علما بأنه لم يقم نظام دكتاتوري عسكري في باكستان إلا بتدبير ودعم من الولايات المتحدة، من لدن الجنرال أيوب خان إلى الجنرال برويز مشرف عبورا بالجنرال يحيى خان، وعند نهاية الثمانينات رفعت واشنطن دعمها لنظام الجنرال ضياء الحق بعد أن رفض إلغاء البرنامج النووي الباكستاني. ومع ذلك لا يزال «المبشرون» العرب يدافعون عن الباطل وكأنه حق.