المجزرة الأهلية التي وقعت في غزة، تنذر بوضع مفجع وعلى نحو غير مسبوق؛ في الآتي من الزمن الفلسطيني. علاقة التصادم بين الفصيلين، «فتح» و«حماس»، أخذت شحنة تزخيم نوعي، من خلال هذه الحادثة ـ الفضيحة.

وضعت الصراع بينهما على قاب قوسين من انفجار الفتنة المفتوحة؛ فوق الساحة الفلسطينية، فهي في ظروفها وملابساتها، كسرت وتجاوزت كل الخطوط وما كان يعتقد أنه في باب الممنوعات.

الأمر الذي يفرض التساؤل عما إذا كان هذا الاقتتال قد انفلت وانحدر إلى درجة التناحر، الذي لا عودة فيه؛ أم أنه قد بلغ نقطة الصدمة التي ينبغي أن تحمل الجميع على الاستدراك والتوقف للتبصر بواقع الحال قبل أن يتحول إلى كارثة بل إلى نكبة أخرى أشد وأقسى؟

طبعاً حمام الدم الأخير لم يهبط من سماء صافية، خلفيته معروفة. احتمالات التصعيد كانت قائمة؛ في غياب التحاور وإنهاء حالة القطيعة، بل في غياب المرونة وإبداء الاستعداد للمراجعة والتراجع. وبذلك عوامل التأزيم بقيت تتفاقم.

خاصة وأن إسرائيل بممارساتها المعروفة وتعجيزاتها التفاوضية المعهودة؛ حرصت باستمرار على صب المزيد من الزيت على نار الأزمة الفلسطينية الداخلية.

وما كان من المتوقع أن تقوم بأقل من ذلك. لكن الغريب والأنكى أن يواصل التدهور الفلسطيني، تقديمه الفرص الذهبية لها؛ لتجني منها مكاسب ما حققتها منذ نشوء الصراع في فلسطين.

آخر هذه الفرص كان ما حصل، أمس الأول، في غزة، بل هو أعمقها دلالة وخطورة. ليس فقط بحجم خسائره البشرية (ثمانية قتلى وعشرات الجرحى).

لقد سقط مثل هذا العدد أو ما يقاربه في جولات دموية سابقة بينهما. وخطورته كانت برمزيته، التي توحي بأنه لم يعد هناك وازع أو رادع، ناهيك بالمانع، يحول دون الاحتكام للسلاح. بل اللجوء إليه كلغة تخاطب وحيدة بين «فتح» و«حماس».

فعندما تقع المواجهة الدموية وبهذه الشراسة أثناء الاحتفال بمناسبة، لها رمزيتها الوطنية التي كانت نقطة تقاطع لدى مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني؛ فإن ذلك يعني أن القواسم المشتركة، حتى المعنوية منها، بدأت تتهاوى كما يعني أن الاحتقان قد بلغ حدود الاستعداد للإطاحة بأي شيء وأن الحسم في ساحة التواجد هو القاعدة الوحيدة المعمول بها.

وما يفاقم من خسائر هذا التوجه أن فصوله تتوالى بهذه الصورة عشية بحث الملف الفلسطيني ـ أو الاستعداد لبحثه ـ في لقاء دولي؛ مع كل ما يوفره هذا التذابح الفلسطيني من أوراق رابحة لإسرائيل، تسمح لها بتشديد شروطها والتمادي في تعنتها؛ فضلاً عن المضي في مخططاتها الاستيطانية وسياساتها العدوانية القائمة على الاغتيالات والاجتياحات ومواصلة الحصار وغيرها مما تتقنه من فنون الاحتلال.

إسرائيل قد دأبت على رفع وتيرة تعجيزاتها كلما اقتربت من موعد لقاء أو مؤتمر أو حتى اجتماع؛ فإنها تذهب في ذلك إلى أقصى درجاته؛ في لحظات احتدام الخلافات الفلسطينية، آخر النماذج كان عندما طلعت أمس بمطلب الاعتراف بها كدولة يهودية. ترجمة ذلك أن تكون خالية من العرب تماماً، فلا يتم بعد الآن مفاتحتها بموضوع عودة اللاجئين.

الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني اندفع إلى حدود الرقص على حافة الهاوية. وهذه الحروب كانت على الدوام لعبة خطرة أخذت شعوباً كثيرة إلى الهلاك المؤكد.