ستسجّل الحرب الدائرة في العراق بكونها الأكثر كلفة من النواحي الإنسانية والسياسية والمادية، في تاريخ الحروب المعاصرة (باستثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية)، سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة، أو بالعراق، أو بتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية.

من الناحية المادية المباشرة، باتت الكلفة اليومية، التي تتكبّدها الولايات المتحدة في حرب العراق (وأفغانستان) تتراوح بين 500 ـ 750 مليون دولار أميركي. وقبل أيام طلب الرئيس بوش من الكونغرس الأميركي منح اعتمادات مالية إضافية للموازنة المخصصة للقوات الأميركية، التي تخوض هذه الحرب، تقدر بـ 3 .42 مليار دولار.

تضاف إلى 7 .141 مليار دولار كان طلبها مع ميزانية العام 2008، بحيث يبلغ مجموع الاعتمادات المالية المخصصة لهذا الغرض 4 .196 مليارا من الدولارات. وكانت تكاليف هذه الحرب بلغت 163 مليارا عام 2007، و119 عام 2006، و102 عام 2005، و72 عام 2004، و70 عام 2003.

وقد بلغت تكاليف ما بات يعرف بـ «الحرب العالمية على الإرهاب»، وهي تتركز أساسا في العراق وأفغانستان، منذ العام 2001، إلى حوالي 757 مليار دولار (بحسب مركز أبحاث الكونغرس الأميركي)، وهي تتضمن النفقات المباشرة وكلفة الرعاية الصحية والفوائد على الديون؛ بما يزيد على تكلفة الحرب في كوريا، وما يوازي تكلفة 12 سنة من حرب فيتنام تقريبا.

وتشير إحصائيات أميركية إلى أن إنفاق الولايات المتحدة في اليوم الواحد على الحرب في العراق يمكن أن يشتري منازل لحوالي 6500 أسرة، أو يوفر تأمينا طبيا ل423529 طفلا أو يزود 27 .1 مليون منزل بطاقة كهربائية متجددة.

وكانت جمعية «أميركان فريندز سيرفيس كوميتي» عرضت هذه الإحصائيات على لافتات كبيرة في مختلف الولايات الأميركية (قبل شهر). وطبقا لدراسة أجراها الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، جوزيف ستيغليتز، وأستاذة المالية العامة بهارفارد، ليندا بيلمز، فإن الحرب على العراق تكلف 720 مليون دولار أميركي في اليوم، أي 500000 دولار في الدقيقة.

وكان كل من بيلمز وستيغليتز، قدرا عام 2006 التكلفة الكلية لحرب العراق بأكثر من 2 .2 تريليون دولار باستثناء الفائدة المستحقة على الديون ـ «واشنطن بوست» 2007923.

من جهة أخرى فإن خسائر العراق المادية، والتي لا تتوفر إحصاءات دقيقة عنها، ربما تفوق الخسائر الأميركية، إذ جرى تدمير البنى التحتية في العراق، وثمة هدر لثرواته، ولا سيما النفطية، كما جرى تدمير شبه شامل لمجمل البنى والقطاعات الاقتصادية، هذا عدا عن الخراب الذي لحق بأهل العراق، ببيوتهم وممتلكاتهم، وعدا الفساد المستحكم في الدوائر التي تدير العراق اليوم.

وبالنسبة للكلفة البشرية ـ المادية، فهي أيضاً جد عالية، إذ تراوح عدد الجنود الأميركيين في العراق بين 120 ـ 180 ألف جندي، عدا الموظفين المدنيين، وعدة ألوف من دول أخرى، ومن دون احتساب المنتمين لوكالات أمنية خاصة (مرتزقة)، لا تتوفر إحصائيات حقيقية عن عددهم. وفي هذا الإطار فقد بلغ عدد القتلى من الجنود الأميركيين 3223 جنديا أميركيا قتيلا في الأعوام الأربعة الأولى من الحرب.

إضافة إلى 24042 جريحا حسب الإحصائيات الرسمية الأميركية، مع ملاحظة أن الضحايا من القوات الأميركية من غير حاملي الجنسية الأميركية لا يتم احتسابهم في هذه الأرقام الرسمية ـ حسب «تقرير واشنطن بوست 2007».

بالمقابل فقد أودت عمليات القصف والقتل والتفجير العشوائي، في العام المنصرم مثلا، بحياة حوالي 34 ألفا من العراقيين، وأوقعت إصابات بأكثر من ذلك العدد بكثير (أغلبيتهم بنتيجة الاقتتال الجانبي)، بعد أن باتت عمليات التفجير العشوائي والقتل الأعمى اليومي تحصد حوالي 50 ـ 100 من العراقيين، في مشهد مأساوي، يدل على مدى الخراب الذي أحاق بالعراق وأهله، بنتيجة التداعيات الناجمة عن الاحتلال.

وبالإجمال فقد قدرت هيئات دولية عديدة بينها جامعة جونز هوبكنز الأميركية (في دراسة أعدتها مؤخرا) عدد القتلى من المدنيين العراقيين بأكثر من 655 ألفا خلال السنوات الأربع من الاحتلال، في حين أن الحكومة العراقية لا تعترف إلا بحوالي 150 ألف قتيلا عراقيا.

هكذا غدا العراق نتيجة الاحتلال وتفكك العراق وتقويض مؤسساته الدولية، مكانا لمقتل العراقيين كما للمحتلين، وضمن ذلك أعمال الاختطاف والتنكيل والتخريب والتشريد (ثمة حوالي 6 .1 مليون عراقي نزحوا من مناطقهم إلى أنحاء العراق و8 .1 مليون عراقي هجّروا خارج البلاد، حسب إحصاءات للأمم المتحدة).

وبديهي ان احتساب تكاليف الحرب الدائرة في العراق، خلال الأعوام الأربعة ونصف الماضية، لا يتوقف على الخسائر البشرية والمادية الباهظة فقط، والتي دفع ثمنها، ومازال، الشعب العراقي والولايات المتحدة (برغم ضخامتها)، فثمة حسابان على غاية في الأهمية، هما الحساب السياسي والحساب الإنساني، اللذان يتعلقان بتداعيات هذا الاحتلال على العراق، وعلى منطقة الشرق الأوسط، وعلى العلاقات العربية والدولية.

من جهة الحسابات السياسية والإنسانية فإن المشروع الأميركي في العراق لم ينجح في تحويل هذا البلد إلى واحة للاستقرار والازدهار والديمقراطية، على ما ادعى، وبالتالي فإن الإدارة الأميركية لم تتمكن من تسويقه باعتباره نموذجا للتغيير المنشود في الشرق الأوسط، على ما كانت تأمل أو تراهن.

وفي كل ذلك تتجلى التراجيديا العراقية المتمثلة بأن معظم العراقيين الذين كانوا ضحية التهميش والعسف والاستبداد، في العهد السابق، باتوا أنفسهم ضحية الاحتلال الأميركي «المخلّص»، وضحية الجماعات المذهبية والعصابية المتطرفة والإرهابية، وضحية التزايد في النفوذ الإيراني، وفي آن واحد!

هكذا فإن الاحتلال الأميركي يتحمل المسؤولية الأساسية عن ما آلت إليه أحوال العراق والعراقيين، فهو الذي قوّض مؤسسات الدولة، وحلّ الجيش.

واستند على الانقسامات المذهبية والطائفية والإثنية والعصبيات العشائرية، واعتمد الحل الأمني على حساب الحلول السياسية، وأخرج من العملية السياسية قسما مهما وحيويا من الشعب العراقي، لرفضه الاحتلال. كذلك فإن الاحتلال يتحمل مسؤولية كبيرة عن تغييب البعد العربي، مقابل التسهيل للدور الإيراني.

المفارقة أن الإدارة الأميركية بدل أن تضع العراق على عتبة الحداثة والديمقراطية، إذا بها تدفع بها إلى النكوص من حالة الدولة الوطنية، إلى حالة الدولة المذهبية والطائفية (الدينية) والإثنية والعشائرية والفوضى الأمنية!

وعلى الصعيد الإقليمي فإن مفاعيل الاحتلال أثرت سلبا على الاستقرار في الشرق الأوسط، كما على العلاقات العربية ـ البينية، وعلى مسار الاندماج الوطني في المجتمعات العربية، لصالح العصبيات المذهبية والطائفية والإثنية.

وفيما زعمت الإدارة الأميركية بأنها جاءت لإخلاء العراق من الأسلحة النووية (التي ادّعت امتلاكه لها)، إذا بها تجد نفسها أمام سعي إيران لامتلاك مثل هذه الأسلحة، وتعزيز مكانتها الإقليمية في العراق وفي المنطقة!

وفي كل ذلك وضعت إدارة بوش الولايات المتحدة في وضع حرج، بإظهارها بمظهر الدولة المحتلة (فضلا عن دعمها التقليدي لإسرائيل)، ما قوّض علاقاتها التقليدية ـ التاريخية في العالم العربي، وزاد من احتقان الشارع العربي ضدها.

وعلى الصعيد الدولي أدى احتلال العراق إلى أحداث شرخ كبير في العلاقات الدولية لاسيما الأميركية ـ الأوروبية، بشأن مضامين العولمة: «أمركة» أم عولمة، وطبيعية النظام الدولي الجديد: تعددية أم أحادية، وسبل حل المشكلات الدولية: بالقوة أم بالضغط والإغراء الدبلوماسي والاقتصادي وبالحوار عبر الأمم المتحدة أو عبر قنوات ثنائية.

المعضلة أن تداعيات ما يجري في العراق اليوم مازالت مستمرة، وغير مسيطر عليها، على الرغم من مخاطرها، عراقيا وإقليميا ودوليا، ومن دون أن يعرف أحد متى ستنتهي أو كيف ستنتهي.

كاتب فلسطيني