نميل مع الكثير من المراقبين أن نهاية الجنرال برويز مشرف بدأت تقترب من حافة الموت السياسي، بإعلانه حالة الطوارئ في البلاد تحت حجج حماية النظام والمجتمع من الانهيار والفوضى والإرهاب، غير انه بهذا المسلك السياسي بروحه العسكرية يدخل في تناقض مع الديمقراطية كنهج ضروري للشرعية والتأييد الداخلي القائم على القانون والدستور.
وإذا ما تعارضت حالة الطوارئ مع شرعية الدستور وحقه في حماية السلطة القضائية والقانون ماذا بإمكان مشرف فعله؟ وأين يضع رأسه بعد أن نفضت عنه بنازير بوتو يديها معلنة تخليها عنه نتيجة تعليقه البلاد على مشنقة الطوارئ وسجن الديمقراطية بين قضبان فضاء الطوارئ القاتلة.
فما من نظام دخل حالة طوارئ قصيرة أو طويلة ونجح في البقاء، فغالبية تلك الممارسات السياسية تنتهي بدراما السقوط فما عادت الدكتاتوريات العسكرية في الألفية الثالثة صالحة كمبدأ لسيادة الحقوق والحريات المدنية فالى جانب قمع حكومة مشرف للقضاء والمحامين، نقلهم وحجزهم في إقامات جبرية أو بين قضبان السجن وحصار العديد من الرموز القضائية والسياسية داخل بيوتهم وانتشال العشرات من الشخصيات الحقوقية والسياسية من بيوتهم ووضعهم في السجون، وبحسب الأرقام الرسمية أنها بلغت أكثر من 2500 معتقل بينما تقول المعارضة إنها زادت عن 3500 معتقل.
وقد جاء هذا الرقم قبل مسيرة بنازير بوتو وطلاقها السياسي من تحالف قصير الأمد، لم يدم طويلا بعد حالة الطوارئ القاتلة للنظام في مكمنه.
سؤال يقودنا للنتائج المتوخاة لمشرف بأنها ستكون رقصة الموت الأخيرة، عندما يفقد النظام بوصلته السياسية وعلاقته مع أطراف المعارضة ويحتفظ ولو بجزء من قواها إلى جانبه كما عمل مع بنازير بوتو قبل أسابيع خلت.
غير ان المياه تحت جسر الجنرال تحركت أقوى وأسرع مما ينبغي مع عودة بنازير إلى البلاد وضخها في الشارع السياسي روحا جديدة فانتعشت المعارضة بقوة، ومن جهة أخرى بدأت بنازير، تكتيكها، في مغازلة المعارضة عن طريق دعوة الجنرال بالتخلي بسرعة عن احد مناصبه والاحتكام للدستور والديمقراطية، فهي وحدها علاج ومفتاح مواجهة الإرهاب والأوضاع الداخلية المتوترة.
وفي الوقت ذاته كانت تضع يدها مع مشرف بشروطها في تنفيذ الاتفاق، غير أن التفجيرات ومحاولات الاغتيال لبنازير وأحداث سوات، وجهت أصابع الاتهام لأكثر من جهة ولكنها منحت بنازير بوتو ورقة جديدة، من ضمنها إعادة النظر في حليفها الجديد وبالشك في مصداقية وعوده.
وإعادة النظر لمربع المعارضة الذين اتهموها بعقد صفقة مع مشرف، فكان خيارها بعد التفجيرات والاغتيال التصعيد باتجاه دفع النظام تنفيذ وعوده دون مماطلة وتسويف، فكان مشرف إزاء محك صعب.
أمام خضم الاحتجاجات المهنية والشعبية والالتفاف الشعبي مع المعارضة بكافة أطيافها ودخول النظام في عزلة داخلية وعالمية، بعد إعلان الطوارئ، مما فتح الباب مجددا لكافة أطياف المعارضة الرئيسية بالدعوة للحوار.
وتشكيل تحالف جديد قائم على احترام الدستور والشرعية الدستورية والقضائية، بل ورأينا كبير القضاة تشودري يدعو من مكان إقامته الجبرية جميع القوى إلى نسيان خلافاتها والنظر إلى المسألة الدستورية والديمقراطية كمسألة جوهرية في مواجهة حالة الطوارئ.
ما يقلق نظام مشرف هذه الفترة انه بات مكشوفا ومعزولا في الداخل والخارج، حتى وان ظل رمزا عالميا وحليفا أساسيا للولايات المتحدة وبريطانيا في مكافحة الإرهاب.
ولم تنجح سياسة مسك العصا من الوسط فلا يمكن أن تتم بالآلية التي يمارسها الرئيس بنهج عسكري بحت في مناطق القبائل والجبال تحقيق الاستقرار، حيث تتمتع الأطياف المعارضة الثلاثة بقاعدة شعبية هناك وليس فقط القوى الدينية المتشددة بصورة مطلقة.
وما حدث مؤخرا في مناطق الجبال وتسليم الجنود أسلحتهم ورفضهم للخدمة والتضامن مع القبائل والحركات الإسلامية، خلق فجوة كبيرة وتصدعا معنويا في بنية المؤسسة العسكرية، وكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
ففي الوقت الذي كانت تقود بنازير بوتو ومنظمات المجتمع المدني بقيادة المحامين الشجعان حركة الاحتجاج في المراكز والمدن الرئيسة كإسلام آباد وراولبندي ولاهور وكراتشي كانت رصاصات الجماعات الإسلامية تخترق البنية العسكرية.
وبالرغم من خليط التناقضات بين أطياف المعارضة، نرى في اللحظة الراهنة اصطفافا جوهريا بينها خلقته حالة الطوارئ، خالقا بذلك نظام مشرف لنفسه جبهة عريضة من التحالف وضعت أمامها هدفا واحدا لا غيره هو رحيل مشرف النهائي من السلطة وليس فقط خيار احد المنصبين.
كما كان قبل شهور أثناء تفاوضه مع حزب الشعب، فما عادت الظروف والمتغيرات الدراماتيكية المتسارعة في باكستان تسمح بالتأجيل والتلاعب، فقد أعلنت بنازير سلسلة من مشروعها الاحتجاجي، مع رسالة الدعوة لجميع الأحزاب بالتعاون من اجل رحيل النظام، فبات الشارع يغني أغنية الرقصة الأخيرة ومفادها «ارحل مشرف.. ارحل».
هذا النداء لن يتوقف فقد انهار سد المناعة السياسي، بإعلان حالة الطوارئ، ولن تستطيع واشنطن حماية النظام بالقوة العسكرية والتدخل المباشر في ظروف انتخابية تنتظرها قريبا، فكل ما يهمها أن يأتي نظام حليف يشاطرها أهم المرتكزات الإستراتيجية و في مقدمتها الحرب على الإرهاب.
وهذا ما تتفق عليه المعارضة أيضا ولكن برؤية مختلفة تماما، ففي الوقت الذي يجد مشرف أن دولة الطوارئ وعصا العسكر وحدها قوة ناجعة في ردع المعارضة العنيفة والسلمية، في بلد مفكك سياسيا في مراكزه وأطرافه.
ومجتمع متشبع بالفساد والفقر والاضطرابات والشغب والجريمة، فان القوة لا يمكنها إيقاف القوة والعنف لا يمكنه أن يخلق إلا العنف، وحدها الديمقراطية الباكستانية الهشة، الخيار الوحيد الممكن لنقل باكستان من علتها التاريخية، بتقوية جسد وخلايا الديمقراطية الباكستانية.
كما هي جارتها الهند، عن طريق بناء الديمقراطية بعافية دولة القانون واحترام الدستور وحقوق الإنسان، ومعالجة أكثر الظواهر داء في جسم المجتمع الباكستاني، وتحقيق مطالب الناس اليومية المعيشية.
وقد فشل نظام مشرف خلال سبع سنوات من حكمه في انجازها بحجج مكافحة الإرهاب بطريقته العسكرية، حيث تعشش مؤسسات الأمن والجيش كبطانة مستفيدة من مواقعها الوظيفية ومكاسبها الشخصية وامتيازاتها الواضحة على حساب القاعدة العريضة من الجنود الفقراء المدفوعين نحو تضاريس الجبال الوعرة.
حيث تستقبل العائلات جثامين أبنائها في حرب داخلية خاسرة بين قبائل باكستانية وجدت نفسها تلتقي مع طالبان والقاعدة في مشروع مشترك، وزاد من تحالفها مع التيارات الدينية المتشددة.
عندما لم يستوعب النظام في إسلام آباد الفرق الشاسع ما بين إسلام القبائل وتقاليدها المحافظة وبين استخدام المنظمات الإرهابية والمتشددة لتلك المناطق، فكانت علة النظام معاملة الجميع بجريرة الآخرين، فكانت أحداث منطقة سوات السياحية الأخيرة، شرارة زادت من لهيب الغضب.
لن تكون رقصة الموت التاريخية التي انبثقت في أوروبا في القرون الوسطى، وكانت مراكزها ومسرح نشاطها أفنية الكنائس والمقابر، بعيدة اليوم عن المشهد الباكستاني، فالموت في رقصته كان رمزا وتعبيرا عن الحياة من جانبها الآخر. ومن الصعب أن يبقى جنرال في الحكم عندما يبدأ الشعب يردد لرئيسه، «ارحل».
كاتب بحريني