لماذا عاد السجال من جديد بين روسيا وأميركا أو بين روسيا والغرب خصوصا بتهديدات أميركا المتشنجة وردود موسكو الحازمة؟
وهل لارتفاع درجة الحرارة في المواجهة الكلامية بين الطرفين علاقة بالملف النووي الإيراني أم بأزمة نشر الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا الشرقية؟
أم أن هناك نوعا من الصراع غير المعلن بين الأميركان والروس حول التوازن النووي بين البلدين النوويين الكبيرين؟
إنها جملة مسائل متشابكة ومترابطة في العلاقة الجديدة التي تتسم بنوع من التوترات المكتومة وبدأت حدتها ترتفع في مؤتمر ميونيخ للأمن الأوروبي، عندما اتهم بوتين ضمنا الاتحاد الأوروبي أنه تابع بلا إرادة لأميركا، وفى مؤتمر سيدنى باستراليا، وفى مؤتمر قمة دول بحر قزوين في العاصمة الإيرانية طهران.
وبرغم أن إيران تنفي والوكالة الدولية أكدت أنه لا دلائل على وجود برنامج عسكري نووي في إيران، وبرغم اتفاق الطرفين الأميركي والروسي على معارضة امتلاك إيران للسلاح النووي، فإن أميركا تنظر لموقف موسكو بعين الريبة في عدم التعاون معها للضغط على إيران لوقف التخصيب النووي في ظل تعاون روسيا معها في البرنامج النووي السلمي.
إلا أن موسكو هي الأولى من واشنطن بالقلق من امتلاك الجارة إيران لقنبلة نووية، وترى في التحركات والتهديدات الأميركية التي تقول أنها موجهة لإيران إن المقصود بها روسيا وليست إيران، خصوصا مع التشدد الأميركي المتعنت في أزمة نشر الدرع الصاروخي الأميركي بالقرب من الحدود الروسية، ومن هنا يرد بوتين بحزم على تهديدات بوش بالحل العسكري أو بالحرب العالمية الثالثة.
الملفات متشابكة بين الأزمات خصوصا بين القوتين النوويتين الكبيرتين في العالم روسيا وأميركا ومناخات الحرب الباردة تبدو بين الطرفين عند خط الأفق، ما لم تتخل الولايات المتحدة عن غطرستها وتعنتها وسياسة المعايير المزدوجة في التعامل مع القضايا الدولية، حتى لا نشهد أزمة ملف نووي جديد بين روسيا وأميركا.
وعن واقع العلاقات النووية بين موسكو وواشنطن يشير تقرير دولي إلى أن «أميركا تملك حاليا من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية 800 قنبلة نووية و320 رأسا نووية مدمرة موزعة على بعض القواعد الأميركية في أوروبا، بينما لدى روسيا نحو 3380 رأسا نووية مدمرة غير استراتيجية ليست موضوعة ضمن أسلحة الجيش الروسي ومودعة في المخازن».
وطبقا لما يشير إليه تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام صدر منتصف العام الجاري فإن « كلا البلدين لم يلتزما بتنفيذ اتفاقات تدمير وتقليص هذه الأسلحة، وحجة الروس في ذلك أن الولايات المتحدة قامت سرا بتوزيع نحو 150 رأسا نووية في بعض الدول الأوروبية، وأن 90 رأسا من هذه الرؤوس موجودة في قاعدة إنجريليك في تركيا قرب الحدود الروسية»®.
وأكدت موسكو استعدادها للالتزام بتعهداتها في تقليص وتدمير المتفق عليه من أسلحتها النووية إذا أبدت واشنطن حسن نيتها والتزامها هي الأخرى بتعهداتها.
لكن الروس يتساءلون: ضد من تنوي واشنطن استخدام هذه الرؤوس النووية؟، هل يعقل أن تكون هذه الرؤوس موضوعة في تركيا بهدف مكافحة الإرهاب؟!.
وقد أبدي وزير الدفاع الروسي إيفانوف قلق بلاده من وجود هذه الأسلحة المدمرة بالقرب من الحدود الروسية، وقال إن أي طائرة أميركية تحمل هذه الرؤوس النووية تستطيع بسهولة الوصول بها إلى أبعد المدن الروسية في أقل من عشرين دقيقة، ويتساءل إيفانوف: كيف لواشنطن أن تقلق من السلاح النووي الروسي في مخازنه بينما أسلحتها النووية موزعة على الحدود الروسية؟
ويبقى الصراع غير المعلن بين موسكو وواشنطن حول الأسلحة النووية قائما، وتزداد حدته، وتتصاعد حملة اللوبي المناهض لروسيا في واشنطن بشدة لتواكب كل مناقشة في الكونغرس للموازنة الأميركية.
حيث يأمل البنتاغون في الحصول على مليارات الدولارات لتطوير ترسانة السلاح النووي الأميركي للمشاركة في الحروب الأميركية القادمة، ويتحجج البنتاغون بأن روسيا تنمي وتطور ترسانتها النووية سرا، بهدف امتلاك القوة لتغيير موازين القوي الحالية على الساحة الدولية لغير صالح أميركا.. ربما!