في النصف الأول من العام 2008 سيخوض الاتحاد الأوروبي تجربة جديدة من تاريخه الحديث، حيث ستبدأ بعض دول أوروبا الشرقية السابقة بتسلّم رئاسته انطلاقا من مبدأ التساوي بين الأعضاء في ممارسة وتنفيذ المهام والواجبات المطلوبة.

ومن المتوقع حسب الجدول الموضوع أن تكون سلوفينيا أولى الدول التي ستحظى بذلك الشرف، وهي ليست الأولوية الأولى التي تمكن هذا البلد الصغير من تحقيقها ضمن سياق مشروع التكامل الأوروبي، فكان الأول الذي استقل عن جمهورية يوغوسلافيا الفدرالية بشكل شبه سلمي، والأول بين الدول الأوروبية الشرقية في استكمال عملية التحضير المطلوبة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكذلك الأول في تبني العملة الأوروبية الموحدة اليورو.

ولا شك أن ذلك عكس نضجا واضحا في الأداء السياسي والاقتصادي، ناهيك عن الممارسة الديمقراطية التي سهّلت عملية تكامله مع المجتمع الأوروبي الشامل.

ومع اقتراب موعد تسلّم هذه الدول لرئاسة الاتحاد الأوروبي برزت بعض التساؤلات حول صفة الدور الذي من المفترض أن تلعبه في سياق التحرك العالمي الشامل، وما يخصّنا منه بالطبع ذلك المتعلق بسياسة الاتحاد الأوروبي تجاه قضايا الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

ويبدو أن ما أثار هذه التساؤلات ليس سلوفينيا تحديدا التي لم تُظهر انحيازا فاضحا لأي طرف وبالتالي لا يمكن التشكيك كليا بنزاهة موقفها، بل بعض دول أوروبا الشرقية الأخرى التي ستتسلّم منذ العام 2009 رئاسة الاتحاد الأوروبي مثل تشيكيا.

وذلك انطلاقا من حقيقة أن هذه الدول قد أثبتت في أكثر من مناسبة أنها تفتقر للحنكة والتجرد، وموضوعية الموقف السياسي المطلوب توفرها بقوة لدى أية دولة ترغب بلعب دور الوسيط في أي نزاع حساس مثل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فكيف بدولة ستترأس كيانا سياسيا واقتصاديا مهما مثل الاتحاد الأوروبي؟.

ولأن التجربة مهمة وتمثل فرصة كبيرة للبلد المعني لكي يظهر قدراته وإمكانياته كشريك جدير بالثقة على الساحة السياسية الدولية، فان الدول الأوروبية الشرقية التي ستبدأ بممارسة مهامها الرئاسية أطلقت منذ فترة سلسلة من الفعاليات واللقاءات على أكثر من صعيد بهدف الاستعداد قدر الإمكان لتلك المهمة الاستراتيجية الحساسة التي تشكّل عادة محطّة مهمة تسعى من خلالها الدولة المعنية لتنفيذ مجموعة من الأهداف التي تؤمن بضرورة تحقيقها إن كان على الصعيد الأوروبي أو على الصعيد العالمي.

ولأن الصراع في منطقة الشرق الأوسط بكافة ملفاته وتشعباته يشكل جزءاً أساسياً من الحركة السياسية والدبلوماسية الأوروبية، فإنه من المتوقع أن يكون للرئاسة «الشرقية» للاتحاد الأوروبي بعض اللمسات الخاصة التي لا بد للعرب أن يستعدّوا لها، تجنباً لأية مفاجآت غير محسوبة الأبعاد والنتائج.

يجب بداية التوضيح أن الدول الأوروبية الشرقية (الشيوعية تحديدا) التي اعتاد العرب عليها في السابق كحليف استراتيجي يمكن أن يقف إلى جانبهم في السراء والضراء، قد انتهت إلى غير رجعة.

ما نراه اليوم هو مجموعة من الدول التي حررت نفسها من تجربة تاريخية فاشلة تمثلت بالحقبة الشيوعية، وباتت تعتبر نفسها دولا ديمقراطية من الطراز الأول باعتبار أنها تمكنت من ملاءمة أحكامها ومبادئها القانونية وغيرها مع تلك المعمول بها في المنظومة الغربية المتمثلة بالاتحاد الأوروبي.

ما هو ملفت للنظر في كل ما جرى، هو أن معظم هذه الدول انقلبت بعد التغييرات الديمقراطية، وبشكل مبالغ به وخطير، من حليف استراتيجي مع العالم العربي يدّعي العداء المطلق لإسرائيل، إلى متحالف استراتيجي مع إسرائيل يدّعي الصداقة، لكن المغلّفة بقشور اقتصادية، مع العالم العربي.

ولم يتمكن الأداء السياسي لبعض الدول من قلب هذه المعادلة حتى بعد هذه الفترة الطويلة من تطورها «الديمقراطي».

لقد مرت تلك الدول منذ فترة تحررها بتجارب كثيرة ميّزت أداءها على الصعيد الدولي، فتدرجت من حالة غير مبررة من العداء للعرب (في بداية التسعينات من القرن الماضي) مارستها بعض القوى غير المخضرمة سياسيا التي تمكنت من استلام الحكم، منطلقة من حقيقة غير موضوعية مفادها أن «كل من كان صديقا للحكم الشيوعي يجب أن يكون عدوا لي».

لكنها استدركت بسرعة خطأها الفادح (أثناء إطلاق محادثات العضوية مع الاتحاد الأوروبي) فعملت مرة أخرى على وصل خيوط العلاقات مع العالم العربي، لكنها ركزت بالدرجة الرئيسية على تلك التي تمثل بالنسبة لبضائعها أسواقا تقليدية ومهمة.

ولكي لا نقع في فخ التعميم يجب بالضرورة الإشارة إلى أن مواقف الدول الأوروبية الشرقية كانت متباينة في بعض المواقف الخاصة بالصراع العربي - الإسرائيلي، فمنها من حرص على تبني الموضوعية باعتبارها الخيار الأسهل في بعض الأحيان، في حين كان بعضها منحازا لطرف دون الآخر، وفي غالب الأحيان بالطبع، إلى الطرف الإسرائيلي.

وهذه للأسف كانت الحالة التشيكية بعد التغييرات الديمقراطية المهمة التي جرت في البلاد، حيث أصرت دبلوماسيتها منذ تلك الفترة وحتى يومنا هذا على إضفاء لون الانحياز على كافة تحركاتها المرتبطة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي.

برغم بعض التحركات والتصريحات والمواقف المنمّقة التي تحاول براغ من خلالها تأكيد موضوعيتها في التعامل مع هذا الملف الشائك والحساس. ونستذكر في هذا السياق جميع الصراعات الدبلوماسية التي شهدتها المحافل الدولية ومنها تلك التي اندلعت قبيل حرب عام 2006 ضد لبنان.

حيث كان الموقف التشيكي واضحا في انحيازه، وما أثار الاستغراب أكثر من ذلك، هو أنه بعد انتهاء هذه الحرب المدمّرة، كانت تشيكيا الدولة الوحيدة في العالم تقريبا التي قررت منح مساعدات مادية وإنسانية لكل من لبنان وإسرائيل، باعتبار أن البلدين، حسب رأيها، عانا من ويلات هذه الحرب.

إذا هل سنشهد بالفعل «لمسات شرقية» في رئاسة الاتحاد الأوروبي عندما تبدأ تلك الدول باستلام مهامها تباعا؟ وهل ستتمكن أية دولة من فرض أجندتها على باقي الدول الأعضاء بكل صلافة ووقاحة، أم أنها ستضطر للالتزام بالإطار السياسي الشامل المتوافق عليه بين كافة الدول الأعضاء؟

يبدو من الهيكلية التنظيمية للاتحاد الأوروبي بأن التفرد سيكون صعبا.

حيث إن مهام الدولة المترأسة تتجسد في العمل على إدارة جميع لقاءات مجلس الاتحاد الأوروبي والمجالس التحضيرية ولجان العمل، وتمثيل المجلس في المحادثات مع المؤسسات الأخرى للاتحاد الأوروبي مثل البعثة الأوروبية والبرلمان الأوروبي، وتمثيل الاتحاد في المنظمات الدولية المختلفة وخلال المحادثات مع الدول التي ليست أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وهنا تحديدا تمكن الخطورة في ما قد يحدث، حيث مطلوب من ممثل الاتحاد الأوروبي أن يعكس موقف هذه المؤسسة لا موقف بلاده أو موقفه الشخصي، وبالتالي سيكون أمامه مهمة في غاية الحساسية والدقة.

سيكون مطلوبا من هذه الدول، بالدرجة الأولى، أن تثبت نضجها السياسي والدبلوماسي وكذلك موضوعية مواقفها، في ظل ما كانت تشيعه دائما عن انحياز مزعوم للاتحاد الأوروبي لصالح الفلسطينيين ورغبتها بالتالي للنضال من أجل تحقيق التغيير المطلوب لإصلاح هذا «الخلل» حسب رأيها.

وفي ظل كل هذا ، مطلوب من العرب بكل تأكيد أن يكثفوا من تحركاتهم تجاه هذه الدول، لا لإقناعها بتغيير مواقفها، بل على الأقل لفهمها جيدا، استعدادا لمواجهة المرحلة التاريخية المقبلة.

كاتب لبناني