قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس: «. ما يقلقني هو أنه كلما استمرت المشاكل الداخلية في باكستان لفترة أطول كلما انصرف اهتمام الجيش الباكستاني وقوات الأمن إلى الموقف الداخلي بدلا من التركيز على تهديد الإرهاب في منطقة الحدود..».

هكذا تقر الإدارة الأميركية بحقيقة واقعة، لكن القلق الذي يساور واشنطن لا يقتصر على باكستان، فهو يشمل أيضا ثلاث بؤر أخرى: أفغانستان والعراق وتركيا. والتطورات المتلاحقة في هذه البؤر الأربع لا تنبئ بحسابات المستقبل القريب إلا عن اندحار شامل للاستراتيجية الدولية الأميركية.

ثمة رياح تغيير تهب منذرة ببروز أوضاع جديدة ربما ينتج عنها تضاؤل للنفوذ الاستراتيجي الأميركي، في باكستان مخاض سيؤدي حتما إلى ولادة جديدة للديمقراطية بعد تراجع المؤسسة العسكرية إلى الظل.

ورغم أنها ستكون ولادة عسيرة قد تأتي بمولود مشوه إلا أن المستفيد الأكبر في كل الأحوال سيكون مجموعة الأحزاب والمنظمات الإسلامية الراديكالية المتحالفة مع قادة حركة طالبان الأفغانية عبر الحدود.

الولايات المتحدة تنقل الآن مراهنتها على «حزب الشعب الباكستاني» الموالي للأجندة الأميركية بالكامل بزعامة السيدة بنازير بوتو، أجل..

قد تكسب بوتو انتخابات عامة بمساعدة أميركية لكن في ظل نظام ديمقراطي يكفل الحريات الأساسية فإن الأحزاب والمنظمات الإسلامية سوف تمارس معارضة ذات بأس شديد على طريق حشد كافة أنواع الدعم المادي والمعنوي لأبناء العمومة في حركة طالبان.. وبالامتداد المنطقي إلى أسامة بن لادن و«القاعدة»، حينئذ سيكون الانتصار النهائي لطالبان على قوات الأطلسي التي تقودها الولايات المتحدة مسألة وقت فقط.

كما هو الحال في أفغانستان فإن مسلسل الهزائم التي تلحق بالقوات الأميركية في العراق لمدى ما يقارب خمس سنوات منذ الغزو لا يدع لواشنطن سوى خيارين: إما انتظار هزيمة نهائية حاسمة أو «انسحاب مشرف». وذلك على خلفية تذمر شعبي يتسع نطاقه ويتعمق يوما بعد يوم في الداخل الأميركي.

إنهما خياران لا يقل أحدهما صعوبة عن الآخر فواشنطن لن تستطيع اتخاذ قرار بشن حرب على إيران لاستهداف منشآتها النووية. فذلك سيكون بمثابة حكم بالإعدام الجماعي على القوات الأميركية في العراق. أما إذا انسحبت أميركا من العراق فإن العراق سرعان ما سيتحول إلى دولة شيعية موالية لطهران.

في تركيا يتآكل نفوذ المؤسسة العسكرية التي ظلت الولايات المتحدة تراهن عليها لمدى عقود زمنية لإبقاء تركيا دولة عميلة للغرب من خلال عضويتها في الحلف الأطلسي، ومن ناحية فإن المد الديمقراطي في تركيا يتعاظم مما يؤدي إلى تقوية الحكومات المدنية المنتخبة على حساب طغمة الجنرالات.

ومن ناحية أخرى فإنه أصبح من شأن الرفض الأوروبي لدخول تركيا عضوية «الاتحاد الأوروبي» إيقاظ مشاعر الهوية الأصلية لدى فئات الشعب التركي، ومن هنا أخذ يتعاظم المد القومي الممتزج بالانتماء الإسلامي مما ينبئ بأن مفتاح المستقبل السياسي للبلاد صار بيد التنظيمات القومية والإسلامية ـ وهي تنظيمات تعتبر الولايات المتحدة العدو الأول للشعب التركي.

وهذا التيار أصبح مرشحاً للتصاعد كلما بدا للشارع التركي أن هناك تحيزاً أميركياً خفيا للأقلية الكردية في كل من تركيا والعراق. المستقبل المرئي سوف يشهد إذن اشتداد هبوب رياح التغيير في هذه البؤر الأربع. إنه رد الفعل الشعبي للسياسة العدوانية التي تنتهجها الولايات المتحدة ضد شعوب البلدان الإسلامية باسم «الحرب على الإرهاب».