مع اقتراب موعد أنابوليس ـ أواخر نوفمبر الجاري حسب المتداول ـ يتزايد الهبوط في أسهم بورصته، يعود ذلك إلى تعمّد تل أبيب ومعها واشنطن، خفض سقف التوقعات، بل تقزيمها، ومن أبرز المؤشرات حرص العاصمتين في الأيام الأخيرة، على التعامل مع هذا اللقاء؛ على أنه «اجتماع» فقط، وكأنه قد جرى التخلي عن العنوان الأساسي الذي سبق واعتمدته واشنطن، عندما دعت إلى عقد «مؤتمر سلام» حول القضية الفلسطينية، طبعاً سقوط كلمة «مؤتمر» من التداول، ليس صدفة.

هو إشارة مسبقة إلى الحصيلة الأقل من المتواضعة، المرتقبة، وربما كان ذلك بمثابة تمهيد لتأجيله، أو حتى لصرف النظر عنه ولإشعار آخر، أي سحبه والتراجع عنه، فالرئيس بوش لا يحتمل وضعه المعروف فشل «مؤتمر» طرحته إدارته تحت يافطة مؤتمر «الدولتين».

وبدا من التحركات وزيارة وزيرته رايس ـ التي قد تقوم بزيارة المنطقة كما يتردد قريباً في محاولة أخيرة ـ إن مراهنته نهضت على تأمين حضور عربي واسع في اللقاء، يكون أشبه بالبئر في مدّ جسور التطبيع مع إسرائيل؛ من دون التعاطي مع القضايا الجوهرية التي يجري ترحيلها إلى تفاوض إسرائيلي فلسطيني مفتوح، بلا جدول زمني.

وفي تسويقها لمثل هذا السيناريو تذرعت واشنطن بأن وضع أولمرت الضعيف وتركيبة حكومته الهشة، لا تسمحان له الالتزام المعلن والمسبق بحلّ القضايا الجوهرية مثل القدس والحدود واللاجئين، لا في أنابوليس ولا خلال جدول زمني محدد، مجرد قبوله يؤدي إلى انفجار حكومته الائتلافية، لكن التلطّي وراء هذه المزاعم، لم يحقق المراد.

حتى اللحظة لم يتأمن الحضور المطلوب. ولذلك لم يحسم حتى الآن أمر الموعد الرسمي للمؤتمر الذي تحوّل إلى «اجتماع».

إسرائيل لا تريد من هذه المناسبة سوى تحويلها إلى بداية عملية تفاوض وثيقة التفاهم المبدئي المفترض أن ينعقد على أساسها أنابوليس، لم تبصر النور بعد. حكومة أولمرت لا تقبل بصدورها إلا وهي مغلفة بالغموض، فهذا الأخير كان دوماً مسارب الهرب والتملص ناهيك بالجرجرة والتدويخ الذي باتت متخصصة في ممارسة أساليبه.

في المقلب الآخر، يتطلع الفلسطينيون إلى وضع أسس واضحة للقضايا الرئيسية قبل الذهاب إلى أنابوليس، وكذلك إلى ربط عملية المفاوضات المنطلقة على هذه الأسس، بمواعيد زمنية تحدد البداية والنهاية، والرئيس الفلسطيني يطمح بأن يتحول اللقاء إلى «فرصة تاريخية» يعني إلى قرارات تاريخية.

ولذلك جاءه الرد، على ما يبدو، بأن الحدث هبط من مقام «المؤتمر» إلى درجة تجمع عادي، والإشارات تتوالى في هذا الخصوص وباتت متداولة في وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية، وفي ذلك رسالة لا تحتمل التأويل مفادها أن إدارة الرئيس بوش لم تغادر موقفها؛ بالرغم من حديثها عن حل الدولتين.

وحرصها على نشر التفاؤل في هذا الصدد، خلاصة هذا الموقف أنها ليست في وارد حمل إسرائيل على التزحزح، بل إنها تشارك تل أبيب في النظرة إلى اجتماع أنابوليس، بما هو عملية أخذ من الفلسطينيين والعرب من دون عطاء، ربما باستثناء إعطاء الوعود، كالعادة؛ والتي تقول السوابق إنها محكومة بالتبخر والتلاشي؛ حتى قبل أن يمر عليها الزمن.